قوله : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة ، قِيلَ : إن الله لم يبعث نبياً بعد «إبراهيم » إلا من نَسْلِهِ، وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدنيا وهو الثناء الحسن، وكل الأديان يقولون به، وقال السدي : هو الولد الصالح، وقيل : إنه رأى١ مكانه في الجنة وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين أي في زمرة الصالحين قال ابن عباس :«مثل آدم، ونوح » وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الله تعالى بدّل جميع أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها لما عذبه قومه بالنار كان وحيداً فريداً، فبدل الله وحدته بالكثرة حتى ملأ الدنيا من ذريته، ولما كانت أقاربه القريبة ضالين مضلين من جملتهم«آزر » بدل الله أقاربه بأقارب مهتدين هادين، وهم ذريته الذين جعل فيهم النبوة والكتاب، وكان أولاً لا جاه له، ولا مال، وهم غاية اللذة في الدنيا آتاه الله أجره في المال والجاه وكثر ماله حتى كان له من المواشي ما علم الله عدَدَهُ حتى قيل : إنه كان له اثنا عشر ألف كلبٍ حارس بأطواق ذهب وأما الجاه فصار ( بحيث تقرن )٢ الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم القيامة، وصار معروفاً وشيخ المرسلين بعد أن كان خاملاً حتى قال قائلهم : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ٣، وهذا الكلام لا يقال إلا في مخمول من الناس.
فإن قيل : إنَّ إسماعيلَ كان من أولاده الصالحين ( وكان قد )٤ سلم لأمر الله بالذبح، وانْقَادَ لحكم الله ولم يذكر.
فالجواب : هو مذكور في قوله : وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب ( و )٥ لكن لم يصرح باسْمِهِ ؛ لأنه كان بين فضله معه بهبته الأولاد والأحفاد، فذكر من الأولاد واحداً وهو الأكبر، ومن الأحفاد واحداً كما يقول القائل : إن السلطان في خدمته الملوك والأمراء، والملك الفلاني، والأمير الفلاني، ولا يعدد الكل لأنه ذكر ذلك الواحد لبيان الجنس لا لخصوصه، ولولا ذكر غيره لفهم منه التعديد، واستيعاب الكل فيُظَنّ أنه ليس معه غير المذكور.
فإن قيل : إن الله تعالى لما جعل في ذريته النبوة أجابه لدعائه، والوالد يجب أن يسوي بين ولده فكيف صارت النبوة في ولد «إسحاق » أكثر من النبوة في أولاد إسماعيل ؟.
فالجواب : أن الله تعالى قسم الزمان من وقت إبراهيم إلى ( يوم )٦ القيامة قسمين والناس أجمعين، فالقِسْم الأول من الزمان بعث الله تعالى ( فيه )٧ أنبياء فيهم فضائلُ جمّة، وجاءوا تترى واحداً بعد واحد، ومجتمعين في عصر واحد كلهم من ورثة إسحاق عليه السلام٨، ( ثم في القسم الثاني من الزمان أخرج من ذرية ولده إسماعيل واحداً اجتمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى كافة الخلق وهو محمد عليه السلام )٩ وجعله خاتم النبيين، وقد دام الخلق على دين إسماعيل أكثر من أربعة آلاف سنة، ولا١٠ يَبْعُدُ أن يبقى الخلق على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار.
٢ ساقط من ب..
٣ الأنبياء: ٦٠..
٤ ساقط من أ..
٥ ساقط من ب..
٦ ساقط من ب..
٧ ساقط من ب..
٨ انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ٢٥/٥٥، ٥٦..
٩ ما بين المعقوفين ساقط من ب..
١٠ في ب: ولم يبعد "بلم الجازمة"..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود