ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

وإكراما من الله لإبراهيم الخليل أقر عينه ووهب له من فضله ذرية صالحة كانت على رأس الصالحين من عباده، وذلك قوله تعالى هنا : ووهبنا له إسحاق ويعقوب على غرار قوله تعالى في آية أخرى : فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب، وكلا جعلنا نبيئا [ مريم : ٤٩ ]. أما إسحاق فهو ولد إبراهيم الأكبر، وأما يعقوب فهو ولد إسحاق وحفيد إبراهيم الأظهر، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى : أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون [ البقرة : ١٣٣ ] وعم فضل الله وكرمه إبراهيم وذريته، فاتخذ الله إبراهيم خليلا، وجعله للناس إماما، وجعل في ذريته النبوءة والكتاب، وذلك قوله تعالى : وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب . والمراد " بالكتاب " هنا جنس الكتاب، فيدخل تحته كل ما نزل على ذرية إبراهيم من الكتب الأربعة، التي هي التوراة والزبور والإنجيل والقرآن، ومن أبرز البارزين في ذريته الطاهرة ابنه إسماعيل الذبيح عليه السلام، الذي اختار الله لختم نبوته ورسالته، نبيا من أرومته وسلالته، فتحققت على يده دعوة أبيه إبراهيم، ونال من ربه كل ثناء وتكريم.
ثم نوه كتاب الله بالمقام المحمود الذي خص به إبراهيم، فقال تعالى : وآتيناه أجره في الدنيا قال عكرمة : معنى وآتيناه أجره في الدنيا إجماع أهل الملل عليه، فالملل كلها تدعيه وتقول هو منا "، وقال فخر الدين الرازي : " قد بدل الله أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها، فبعدما كان وحيدا فريدا معرضا من قومه لعذاب النار بدل الله وحدته بالكثرة، حتى ملأ الدنيا من ذريته، وبعدما كان أقاربه الأقربون ضالين مضلين ومن جملتهم آزر بدله الله منهم بذريته، فجعل فيهم النبوة والكتاب، وبعد أن كاد يكون شخصا مجهولا حتى قال قائلهم : " سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " أصبح " إمام المرسلين " وصارت الصلاة عليه تقرن بالصلاة على سائر الأنبياء إلى يوم الدين " وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في نفس السياق : وإنه في الآخرة لمن الصالحين .
وواضح أن كتاب الله عندما ساق قصة إبراهيم التي تمثل منتهى الصبر والثبات على الدين الحق، ووصف لنبيه بدايتها ونهايتها، إنما أراد ان يقدم له نموذجا مثاليا يستحق أن يكون له خير أسوة وقدوة، في البداية والنهاية، وإذا كان الله سبحانه قد بارك لإبراهيم في هجرته، وبارك له في ذريته، وآتاه أجره في الدنيا وجعله في الآخرة من الصالحين، فإن خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله الله بالملة الحنيفية السمحة، سينال من ربه الجزاء الأوفى في دنياه، والمقام المحمود في أخراه، وسيبارك له في هجرته، كما يبارك له في ذريته، وسيرفع ذكره في العالمين، كما جعل لإبراهيم " لسان صدق " في الآخرين.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير