ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

ثم يقول الحق سبحانه :
{ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته
النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه
في الآخرة لمن الصالحين٢٧ }
وجاء وقت الجزاء لينال إبراهيم – عليه السلام – من ربه جزاء صبره على الابتلاء، وثباته على الإيمان، ألم يقل لجبريل لما جاءه يعرض عليه المساعدة وهو في طريقه إلى النار : يا إبراهيم، ألك حاجة ؟ فيقول إبراهيم : أما إليك فلا١. لذلك يجازيه ربه، ويخرق له النواميس، ويواليه بالنعم والآلاء، حتى مدحه سبحانه بقوله : إن إبراهيم كان أمة قانتا٢ لله.. ١٢٠ [ النحل ]
وكان عليه السلام رجلا خاملا في القوم، بدليل قولهم عنه لما حطم أصنامهم : قالوا سمنعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم٦٠ [ الأنبياء ] فهو غير مشهور بينهم، مهمل الذكر، لا يعرفه أحد، فلما وإلى الله والاه وقال : لأجعلنك خليل الله وشيخ المرسلين ولأجرين ذكرك، بعد أن كنت مغمورا على كل لسان، وها نحن نذكره عليه السلام في التشهد في كل صلاة.
واقرأ قول إبراهيم في دعائه لربه ؛ ليؤكد هذا المعنى : واجعل لي لسان صدق في الآخرين ٨٤ [ الشعراء ] وكأنه يقول : يا رب إن قومي يستقلونني، فاجعل لي ذكرا عندك.
ومعلوم أن للتناسل والتكاثرلا نواميس، فلما أن أنجبت السيدة هاجر إسماعيل – عليه السلام – غضبت الحرة سارة : كيف تنجب هاجر وهي الأمة وتتميز عليها٣، لكن كيف السبيل إلى الإنجاب وسنها تسعون سنة، وسن إبراهيم حينئذ مائة ؟
قانون الطبيعة ونواميس الخلق تقول لا إنجاب في هذه السن، لكن سأخرق لك القانون، وأجعلك تنجب هبة من عندي ووهبنا له إسحاق.. ٢٧ [ العنكبوت ] ثم ويعقوب.. ٢٧ [ العنكبوت ]
وفي آية أخرى قال : ويعقوب نافلة.. ٧٢ [ الأنبياء ]
أي : زيادة، لأنه صبر على ذبح إسماعيل، فقال له ربه : ارفع يدك فقد أديت ما عليك، ونجحت في الامتحان، فسوف أفديه لك، بل وأهبك أخا له، وسأعطيك من ذريته يعقوب.
وسأجعلهم فضلا عن ذلك رسلا وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.. ٢٧ [ العنكبوت ] لذلك حين نستقرئ موكب الأنبياء نجد جمهرتهم من ذرية إبراهيم عليه السلام كل من جاء بعده من ذريته٤.
والذرية المذكورة هنا يراد بها إسحق ويعقوب، وهما الموهبان من سارة، أما إسماعيل فجاء بالقانون العام الطبيعي الذي يشترك فيه إبراهيم وغيره.
وكأن الحق – سبحانه وتعالى – في هذه المسألة يدلل على طلاقة القدرة بأسباب تظهر فيها قدرة المسبب، فيقول لإبراهيم : إن كان قومك قد كفروا بك ولم يؤمنوا، فسأهبك ذرية ليست مؤمنة مهدية فحسب، إنما هادية للناس جميعا.
وإذا كانت ذرية إسحق ويعقوب قد أخذت أربعة آلاف سنة من موكب النبوات، فقد جاء من ذرية إسماعيل خاتم الأنبياء وإمام المتقين محمد صلى الله عليه وسلم، وستظل رسالته باقية خالدة إلى يوم القيامة، فالرسل من ذرية إسحق كانوا متفرقين في الأمم، ولهم أزمنة محددة، أما رسالة محمد فعامة للزمان وللمكان، لا معقب له برسول بعده إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى : والكتاب.. ٢٧ [ العنكبوت ] أي : الكتب التي نزلت على الأنبياء من ذريته، وهي : القرآن والإنجيل والتوراة والزبور.
ثم يقول سبحانه : وآتيناه أجره في الدنيا.. ٢٧ [ العنكبوت ]قالوا : إنه كان خامل الذكر فنبغ شأنه وعلا ذكره، وكان فقيرا، فأغناه الله حتى حدث المحدثون عنه في السير أنه كان يملك من الماشية ما يسأم الإنسان أن يعدها، وكان له من كلاب الحراسة اثنا عشر كلبا.. إلخ وهذا أجره في الدنيا فقط ٥.
وإنه في الآخرة لمن الصالحين٢٧ [ العنكبوت ] يعني : لن نقول له أذهبت طيباتك في حياتك الدنيا، بل هو في الآخرة من الصالحين، وهذا متمنى الأنبياء. إذن : فأجره لم ينقص من أجره في الآخرة.
لكن، لماذا وصف الله نبيه إبراهيم في الآخرة بأنه من الصالحين ؟ قالوا : لأن إبراهيم أثر عنه ثلاث كلمات يسميها المتصيدون للأخطاء، ثلاث كذبات أو ذنوب : الأولى قوله لملك مصر لما سأله عن سارة قال : أختي، والثانية لما قال لقومه حينما دعوه للخروج معهم لعيدهم : إني سقيم٦. والثالثة قوله : بل فعله كبيرهم هذا.. ٦٣ [ الأنبياء ]أي : عندما حطم الأصنام.
ويقول هؤلاء المتصيدون : إنها أقوال منافية لعصمة الأنبياء. لكن ما قولكم إن كان صاحب الأمر والحكم شهد له بالصلاح في الآخرة ؟
ثم إن المتأمل في هذه الأقوال يجدها من قبيل المعاريض التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم :( ( إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ) )٧ فقوله عن سارة : إنها أختي، هي فعلا أخته في الإيمان، وربما لو قال زوجتي لقتله الملك ليتزوجها هو.
أما قوله إني سقيم٨٩ [ الصافات ] فهو اعتذار عن مشهد كافر لا ينبغي للمؤمن حضوره، كما أن السقم يكون للبدن، ويكون للقلب فيتحمل أن يكون قصده سقيم القلب لما يراه من كفر القوم.
وقوله بل فعله كبيرهم هذا.. ٦٣ [ الأنبياء ] أراد به إظهار الحجة وإقامة الدليل على بطلان عبادة الأصنام، فأراد أن ينطقهم هم بما يريد أن يقوله ؛ ليقررهم بأنها أصنام لا تضر ولا تنفع ولا تتحرك.

١. أخرج ابن جرير عن معتمر بن سليمان التيمي عن بعض أصحابه قال: جاء جبريل إلى إبراهيم وهو يوثق ليلقى في النار قال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. [أورده السيوطي في الدر المنثور٥/٦٤١]..
٢ القنوت: الطاعة والدعاء.[القاموس القويم ٢/١٣٤]. وقال ابن سيدة: القانت: القائم بجميع أمر الله تعالى. وقال ابن منظور: القنوت الخشوع والإقرار بالعبودية والقيام بالطاعة التي ليس معها معصية [لسان العرب – مادة: قنت]..
٣ ذكرت التوراة هذا: ((رأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح. فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق. فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه. فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك. في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها لأنه بإسحاق يدعى لك نسل. وابن الجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك)) [سفر التكوين ٢١: ٩-١٣]..
٤ قال القرطبي في تفسيره (٧/٥٢٢٩): ((فلم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا من صلبه، ووحده الكتاب، لأنه أراد المصدر كالنبوة، والمراد التوراة والإنجيل والفرقان، فهو عبارة عن الجمع، فالتوراة أنزلت على موسى من ولد إبراهيم، والإنجيل على عيسى من ولده، والفرقان على محمد من ولده صلى الله عليه وسلم))..
٥ قال ابن كثير في تفسيره (٣/٤١١) ما يقرب من هذا دون تفصيل، فقال: ((كان له في الدنيا الرزق الواسع الهني، والمنزل الرحب، والمورد العذب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذكر الحسن، وكل أحد يحبه ويتولاه)). أما القرطبي فقال في تفسيره (٧/٥٢٢٩): ((يعني: اجتماع أهل الملل عليه، قاله عكرمة)). وقال ابن عباس: ((إن الله رضي أهل الأديان بدينه، فليس من أهل دين إلا وهم يتولون إبراهيم ويرضون به)) وفي قول آخر عنه ((الولد الصالح والثناء)). ذكرهما السيوطي في الدر المنثور (٦/٤٥٩)..
٦ أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: أرسل إليه ملكهم فقال: إن غدا عيدنا فاخرج. قال: فنظر إلى نجم، فقال: إن ذا النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي فتولوا عنه مدبرين.[الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٧/١٠٠]..
٧ أخرجه ابن عدي في ((الكامل في ضعفاء الرجال)) (٣/٩٦) من حديث عمران بن حصين، وفيه دواد بن الزبرقان. قال البخاري: مقارب الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة، قال ابن عدي: هو في جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير