ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

قوله : وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَة فيها وجهان :
أحدهما : أن بعضها «باقٍ » وهو آية باقية إلى اليوم، والمعنى تركنا من قريات ( قوم )١ لوط آية بيّنة عبرة ظاهرة.
الثاني : أن «من » مزيدة، وإليه نحا الفراء٢ أي تركناها آية كقوله :
-٤٠٢٩ أَمْهَرْتُ مِنْهَا جُبَّةً وَتَيْسَا٣ ***. . .
أي أمهرتها، وهذا يجيء على رأي الأخفش، أي ولقد تركنا القرية. والقربة معلومة، وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك.
فإن قيل : كيف جعل الآية في «نوح » و «إبراهيم » بالنجاة٤ فقال : فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ . وقال : فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار ( إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ ، وجعل ههنا الهلاك آية ؟.
فالجواب : أن الآية في إبراهيم كانت في النجاة لأن في ذلك الوقت لم يكن إهلاك٥، وأما في نوح فلأن الإنجاء من الطوفان الذي على أعلى٦ الجبال بأسرها أمر عجيب إلهي وما به النجاة وهو السفينة كان باقياً، والغَرَقُ لم يبق لمن بعده أثره٧، فجعل الباقي آية، وأما ههنا فنجاة «لوط » لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد، فجعل الآية ههنا البلاد، وهنا السفينة، وهنا لطيفة وهي أن الله تعالى آية قدره٨ موجودة في الإنجاء والإهلاك، فذكر من كل باب آية، وقدم آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة، وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب، ورحمته سابقة.
فإن قيل : أما الحكمة في قوله في السفينة «جعلناها آية »، ولم يقل بينة وقال ههنا آية بينة ؟.
فالجواب : أنّ الإنجاء بالسفينة أمر يسع له كل العقل٩ وقد يقع في ذهن جاهل أن الإنجاء لا يفتقر إلى أمر آخرَ، وأما الآية ههنا الخَسْفُ، وجعل ديارهم المعمورة عاليها سافلها، وهو ليس بمعتاد وإنما ذلك بإرادة قادر مخصصة١٠ بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان فهي بينة لا يمكن لجاهل١١، أن يقول هذا أمر يكون كذلك، وكان١٢ له أن يقول في السفينة أمرها يكون كذلك، فيقال له : فلو دام الماء حتى ينفذ زادهم كيف كان حصل١٣ لهم النجاة ؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصفة، وكيف تكون أحوالهم١٤ ؟.
فإن قيل : ما الحكمة في قوله هناك :«لِلْعَالَمِينَ »، وفي قوله ههنا :«لِقَوْم يَعْقِلُونَ » ؟.
فالجواب : أن السفينة ( موجودة )١٥ معلومة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال السفينة يتذكرون١٦ بها حال نوح، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة، فلا١٧ يثق أحدٌ بمجرد السفينة، بل يكون دائماً مرتجف القلب متضرعاً إلى الله تعالى طالباً النجاة١٨، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليها إلا من مرّ بها١٩، ويصل إليها٢٠ ويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله فإرادته٢١ بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان دون زمان، قال ابن عباس : الآية البينة : آثار منازلهم الخربة٢٢. وقال قتادة : هي الحجارة٢٣ التي أهلكوا بها أبقاها الله ( تعالى )٢٤ حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد : هي ظهور الماء الأسود على وجه٢٥ الأرض.

١ زائد فيهما وهو خطأ..
٢ لم يذكر الفراء شيئاً عن هذه اللفظة "من" في سورة العنكبوت عند تعرضه لتلك السورة وتفسير معانيها. انظر المعاني ٢/٣١٤، ٣١٧..
٣ رجز مجهول قائله، والجبة: نوع من الثياب معروف، والتَّيس: ذكر الماعز والظباء، ومعناه: أنه ساق مهرها هذين الشيئين. والشاهد فيه قوله: "فأمهرت منها" لأن المعنى: فأمهرتها وهذا على قياس رأي الأخفش لأنه ارتأى أن تراد "من" في المثبت أو الموجب، وانظر: شرح الجمل ١/٤٨٦، والدر المصون ٤/٣٠٤..
٤ في ب: النجاة..
٥ في ب: هلاك..
٦ في ب: من علا..
٧ في ب: له بعده أثر..
٨ في ب: قدرته..
٩ في ب: عقل بدون أل..
١٠ في ب: يخصصه..
١١ في ب: الجاهل..
١٢ في ب: كان بدون واو..
١٣ في ب: يحصل..
١٤ في ب: احتمالهم..
١٥ ساقط من ب..
١٦ في ب: يتكلمون..
١٧ في ب: ولا..
١٨ في ب: طالب النجاة..
١٩ في ب: يمر به..
٢٠ في ب: إليه..
٢١ في ب: وإرادته بالواو..
٢٢ انظر: القرطبي ١٣/٣٤٣..
٢٣ وهذا رأي أبي العالية أيضاً، انظر: القرطبي ١٣/٣٤٣..
٢٤ ساقط من ب..
٢٥ المرجع السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية