ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞ

ثم يقول الحق سبحانه :
{ وقارون وفرعون وهامان ولقد
جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا
في الأرض وما كانوا سابقين٣٩ }
ما زالت الآيات تحدثنا عن مواكب الرسالات، لكنها تتكلم عن المكذبين عادا وثمود، وهنا وقارون وفرعون وهامان.. ٣٩ [ العنكبوت ] والدليل على قوله سبحانه في الآية السابقة وكانوا مستبصرين٣٨ [ العنكبوت ] قوله تعالى هنا ولقد جاءهم موسى بالبينات.. ٣٩ [ العنكبوت ] أي : بالأمور الواضحة التي لا تدع مجالا للشك في صدق الحق سبحانه، وفي صدق الرسول في البلاغ عن الله.
فاستكبروا في الأرض.. ٣٩ [ العنكبوت ] استكبر : يعني افتعل الكبر، فلم يقل تكبر، إنما استكبر كأنه في ذاته ما كان ينبغي له أن يستكبر ؛ لأن الذي يتكبر يتكبر بشيء فيه، إنما بشيء موهوب ؟ لأنه قد يسلب منه، فكيف يتكبر به ؟
لذلك نقول للمتكبر أنه غفلت عينه عن مرأى ربه في آثار خلقه، فلو كان ربه في باله لاستحى أن يتكبر.
فالإنسان لو أنه يلحظ كبرياء ربه لصغر في نفسه، ولاستحى أن يتكبر، كما أن المتكبر بقوته وعافيته غبي ؛ لأنه لم ينظر في حال الضعيف الذي يتعالى عليه، فلربما يفوقه في شيء آخر، أو عنده عبقرية في أمر أهم من الفتوة والقوة، ثم ألم ينظر هذا الفتوة أنها مسألة عرضية، انتقلت إليه من غيره، وسوف تنتقل منه إلى غيره.
إذن : فقارون وفرعون وهامان لما جاءهم موسى بآيات الله الواضحات استكبروا في الأرض، وأنفوا أن يتبعوا لا بطبيعتهم وطبيعة وجود ذلك فيهم، إنما افتعالا بغير حق وما كانوا سابقين ٣٩ [ العنكبوت ] فنفى عنهم أن يكونوا سابقين، كما قال سبحانه : وما نحن بمسبوقين٦٠ [ الواقعة ]
والسبق لا يمدح ولا يذم في ذاته، لكن بنتيجته : إلى أي شيء سبق ؟ كما نسمع الآن يقولون : فلان رجعي، والرجعية لا تذم في ذاتها، وربما كان الإنسان مسرفا على نفسه، ثم رجع إلى منهج ربه، فنعم هذه الرجعية، فالسبق لا يذم لذاته، واقرأ إن شئت قوله تعالى : وسارعوا إلى المغفرة من ربكم.. ١٣٣ [ آل عمران ] أي : سابقوا.
والمعنى هنا وما كانوا سابقين٣٩ [ العنكبوت ] أن هناك مضمار سباق، فمن سبق قالوا : أحرز قصب السبق، فإن كان مضمار السباق هذا في الآخرة أيسبقنا أحد ليلفت من أخذنا له ؟ إنهم لن يسبقونا، ولن يفلتوا من قبضتنا، ولن يعجزوا قدرتنا على إدراكهم.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير