سابقين فائتين ومعجزين.
وكما أهلكنا مدين وقوم لوط أهلكنا عادا وثمود، وإنكم لتطالعون مساكنهم، وتنظرون إليها في طريق تجارتكم وارتحالكم، ويظهر لكم من آثار الدمار في أطلال ديارهم وما بقي منها ما فيه مزدجر ومعتبر، وإنما نالهم ما نالهم بما زين وحسن الشيطان لهم من قبيح فعالهم، فمنعهم وردهم عن الداعي إلى الحق واتباعه، وجحدوا صدق الوحي وتأنفوا من الإذعان للهدي، مع تبينهم أنه الرشد، وأن العذاب على من كذب وتولى، ولكنهم لجوا في طغيانهم، وأهلكنا قارون، وفرعون وجنده وملأه، وهامان.
ولقد شهد الكتاب الكريم أن الغرق شمل كافة الجند والملأ الفرعونيين فقال أحكم الحاكمين :)واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون( ١ وقال تبارك اسمه :)فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين( ٢، فلعل تخصيص هامان وفرعون بالذكر لما أنهما أكابر المجرمين، وغيرهم تبع لهم، وأما قارون فلأنه ذاق وبالا ونكالا من جنس غير الإغراق أفردته الآيات هنا بالذكر، ولقد جاءهم موسى بالبينات وقسما تحققوا أن كليم الله ورسوله موسى صلى الله عليه وسلم قد أتى قومه بعلامات ومعجزات كونية وتنزيلية يتضح بها مزيد من نور اليقين بقدرة الله تعالى وحكمته، وصدق موسى في رسالته، لكن الكبر والغرور، والتجبر في الأرض، والبغي بغير الحق، حملهم على محادة الله تعالى ورسوليه موسى وهارون، ومع طول ما صبر الرسولان الكريمان ومن آمن بدعوتهما، وما كان عليه موسى من الحلم والمطاولة حتى لينزل البلاء والرجز بالفرعونيين فيتوسلون إلى النبي الكريم قائلين ما بينه الكتاب الحكيم :).. يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون( ٣ فيضرع الكليم إلى ربه سبحانه فيكشف عنهم العذاب فإذا هم ينكثون، ثم يتمادى الطاغية في عتوه وسفاهته على الرسول الأمين وإيذائه إياه بما يشير إليه قول الله جل علاه :)أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين( ٤، فهل ظن المتأله المتكبر أنه يفوت الله القدوس المهيمن ؟ وهل يحسب المفتونون البطرون بما أوتوا من جاه ومال أن سيتأتى لهم الإفلات من قبضته جل علاه ؟ حاشا ! إن الجن على بأسهم وقوتهم أقروا وأذعنوا بالسلطان المحيط لرب العرش المجيد :).. لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا( ٥، فلن يكون من مخلوق أن يعجز الله تعالى أو يسبقه أو يفوته وما كانوا سابقين بل هم في ملكي، والأرض جميعا قبضتي والسماوات مطويات بيميني، ونواصي العباد كلهم بيدي، فأخذت كل جبار عنيد وأهلكته بذنبه الذي اجترحه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا فمن هؤلاء الطاغين من قتلته بالريح العاصف المدمر )ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم( ٦ فسرعتها عاتية وتحمل الحصباء فتقتلع الثوابت وتنفذ في الأوصال ) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر( ٧أولئك هم قوم عاد، عاقبهم الله تعالى من جنس عملهم، وجوزوا على الخيلاء والكبرياء بالمهانة والإذلال عاجلا وآجلا :)فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون. فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون( ٨، ومنهم من أخذته الصيحة وهم ثمود ومدين، ومنهم من خسفنا به الأرض وهو قارون، المختال الفخور، البطر المغرور، الذي مشى في الأرض مرحا مزهوا بما يملك، فجازاه الحكم العدل بأن ابتلعه وما ملك الأديم الذي كان يضربه برجله يحسب أن سيخرقه- علوا وتجبرا-، ومنهم من أغرقنا فرعون وهامان وجنودهما، ).. إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ( ٩، وربنا سبحانه ما ظلمهم ).. ولا يظلم ربك أحدا( ١٠ ولكن هم الذين حرموا أنفسهم حظها من الفوز في الأولى والآخرة بما صدوا عن الهدى، وسارعوا في البغي والفساد، فحق عليهم الهلاك والردى.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب