ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

وتلك الأمثالُ الغريبة، أي : هذا المثل ونظائره نضربها للناس ؛ نُبّيِّنُها لهم ؛ تقريباً لما بَعُدَ عن أفهامهم. كان سفهاء قريش وجهَلَتُهم يقولون : إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال تعالى : وما يعقلها إلا العالِمون ، أي : بالله وصفاته وأسمائه، وبمواقع كلامه وحِكَمه، أي : لا يعقل صحتها وحُسنها، ولا يفهم حكمتها، إلا هم ؛ لأن الأمثال والتشْبيهات إنما هي طرق إلى المعاني المستورة، حتى يبرزها ويصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الذي بيّن فيه حال المشرك وحال المؤمن. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا في هذه الآية، وقال :" العالِم : مَنْ عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه١ "، وَدَلَّتْ هذه الآية على فضل العلم وأهله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : من اعتمد على غير الله، أو مال بالمحبة إلى شيء سواه، كان كمن اعتمد على خيط العنكبوت، فعن قريب يذهب ويفوت، يا من تعلق بمن يموت ؛ قد تَمَسَّكَتَ بأضعف من خيط العنكبوت.
تنبيه : الأشياء الحسية جعل الله فيها القوي والضعيف، والعزيز والذليل، والفقير والغني ؛ لِحكمة، وأما أسرار المعاني القائمة بها ؛ فكلها قوية عزيزة غنية، فالأشياء، بهذا الاعتبار - أعني : النظر لحسها ومعناها - كلها قوية في ضعفها، عزيزة في ذلها، غنية في فقرها. ولذلك تجد الحق تعالى يدفع بأضعف شيء أقوى شيء، وينصر بأذل شيء على أقوى شيء. رُوي أنه لما نزل قوله تعالى : وإن أوْهَن البيوت لبيتُ العنكبوت ؛ شكى العنكبوتُ إلى الله تعالى، وقال ربِّ خلقتني ضعيفاً، ووصفتني بالإهانة والضعف، فأوحى الله تعالى إليه : انكسر قلبك من قولنا، ونحن عند المنكسرة قلوبهم من أجلنا، وقد صددنا بنسجك الضعيف صناديد قريش، وأغنينا محمداً عن كل ركن كثيف، فقال : يا رب حسبي أن خلقت في ذلي عزتي، وفي إهانتي قوتي. هـ. ذكره في اللباب.



١ أخرجه البغوي في تفسيره ٥/١٩٤ وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١٢٧، والقرطبي في تفسيره ١٣/٣٤٦..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير