لقد سبق في علم الله أن دين الحق الذي هو دين الإسلام، رغما عن ظهوره وانتشاره في أطراف الأرض، وإقبال مختلف السلالات على الدخول فيه أفواجا، سوف لا ينفرد وحده بالبقاء في العالم، مصداقا لقوله تعالى : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ، بل إنه ستعايشه باستمرار أديان أخرى، وستحاول أن تنافسه وتتحداه، كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ولا سيما " الأديان الكتابية " التي ينتمي إليها اليهود والنصارى.
ومعايشة الإسلام لغيره من الأديان، تفرض على أهله أن يدافعوا عنه في وجه الهجمات المضادة بالحجة والبرهان، وحتى يتم القيام بهذه المهمة على أحسن وجه، وجه كتاب الله في بداية هذا الربع الخطاب لكافة المؤمنين، ولا سيما المسلحين منهم بسلاح العلم والدين، فقال تعالى : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وبذلك أفهم المسلمين أولا أن الإسلام لا يخشى من مواجهة خصومه، وأنه لا بد للمسلمين من أن يجادلوا عن دينهم، ويبطلوا ما يوجه إليه من الشبه الزائفة والتهم الباطلة، وأفهمهم ثانيا أن مجادلة المسلمين لمخالفيهم في العقيدة والدين لا تكون بأي شكل كان، بل لا بد أن تكون على شكل يؤدي بالخصم إلى الاقتناع والإذعان، وهذا المعنى هو ما عبرت عنه الآية الكريمة إذ قالت : إلا بالتي هي أحسن .
و التي هي أحسن وصف للطريقة التي يجب أن يتبعها المجادل عن دينه في الدفاع عنه، حيث يختار لجداله طريقة مطبوعة بطابع الرفق واللين، لا تشم منها رائحة الغلظة والجفاء، و التي هي أحسن هي كذلك وصف للحجة التي ينبغي أن يحتج بها المجادل عن دينه للدفاع عنه، بحيث يختار من بين الحجج التي بين يديه أوضحها وأقواها، وأسرعها إيصالا للمقصود والمطلوب، وبذلك ينصر دينه، ويبر يمينه. قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري : " لكن يكون الجدال بما يحسن من الأدلة ويجمل من الكلام، بأن يكون منك للخصم تمكين، وفي خطابك له لين، وأن تستعمل من الأدلة أظهرها وأنورها، وإذا لم يفهم الخصم أعاد عليه المجادل الحجة وكررها ".
وقوله تعالى : إلا الذين ظلموا منهم معناه أن من تصدى للمسلمين بالظلم والعدوان لا يجادل بالرفق واللين، وإنما يعامل معاملة الظالمين، فيحد من ظلمه بما يناسبه من الجدال أو الجلاد، إلى أن يرتدع عن ظلمه ويرجع إلى السداد، ومن الظلم الاعتداء على الحرمات والتهجم على المقدسات، وغدر العهود والالتزامات.
وقوله تعالى : وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم يتضمن مثالا تطبيقيا لمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، قال ابن كثير :{ فإذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه لا نقدم على تكذيبه، لأنه قد يكون حقا، ولا نقدم على تصديقه لأنه قد يكون باطلا، ولكن نؤمن به إيمانا مجملا، شريطة أن يكون أمرا منزلا، لا مبدلا ولا مؤولا، وتفرد البخاري في صحيحه برواية حديث عن أبي هريرة قال : " كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم الآية ".
وقوله تعالى : وإلهنا وإلهكم واحد معناه أن الخلق كلهم عيال الله، وأن رب العالمين الذي خلقهم ورزقهم إله واحد، وإن كانت عقيدة التوحيد في الإسلام بالنسبة لغيرها من العقائد هي العقيدة الوحيدة الصحيحة والسليمة من كل الشوائب، مصداقا لقوله تعالى في آية أخرى( ١٠٩/٦ ) : لكم دينكم ولي دين ، ولذلك قال تعالى هنا : ونحن له مسلمون( ٤٦ ) أي على خلاف ما عليه أهل الكتاب.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري