ثم يقول الحق سبحانه١ : * ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون٤٦
الحق – تبارك وتعالى – يعلمنا كيف نجادل أهل الكتاب، وقبل أن نتكلم عن ألوان الجدل في القرآن الكريم نقول : ما معنى الجدل ؟
الجدل : مأخوذ من الجدل، وهو فتل الشيء ليشتد بعد أن كان لينا كما نفتل حبالنا في الريف، فالقطن أو الصوف مثلا يكون منتفشا يأخذ حيزا واسعا، فإذا أردنا أن نأخذ منه خيطا جمعنا بعض الشعيرات ليقوي بعضها بعضا بلفها حول بعضها، وبجدل الخيوط نصنع الحبال لتكون أقوى، وعلى قدر الغاية التي يراد لها الحبل تكون قوته.
ومن الجدل أخذ الجدال والجدل والمجادلة، وفي معناها : الحوار والحجاج والمناظرة، ومعناه أن يوجد فريقان لكل منهما مذهب يؤيده ويدافع عنه ليفتن الآخر أي : ليلفته عن مذهبه إلى مذهبه هو.
فإذا كان المقصود هو الحق في الجدال أو الحجاج أو المنظارة فهذا الاسم يكفي، لكن إن دخل الجدال إلى مراء أو لجاجة، فليس القصد هو الحق، إنما أن يتغلب أحد الفريقين على الآخر، والجدل في هذه الحالة له أسماء متعددة، منها قوله تعالى : للجوا في طغيانهم.. ٧٥ [ المؤمنون ]
لكن إذا فتلنا الشيء المنفوش حتى صار مضمرا، وأخذ من الضمر قوة، أأنت تجعل في الجدل خصمك قويا ؟ إنك تحاول أن تقوى نفسك في مواجهته. قالوا : حين أنهاه عن الباطل وأعطفه ناحية الحق، فإنه يقوى يقينه في شيء ينفعه، وكأنه كان منتفشا آخذا حيزا أكبر من حجمه بالباطل الذي كان عليه، فأنا قويته بالحق.
وفي العامية نقول ( فلان منفوخ على الفاضي ) أو نقول ( فلان نافش ريشه ) كأنه أخذ حيزا أكبر من حجمه.
لذلك نلحظ أن التغلب في الجدل لا يكون لمجرد الجدل، إنما تغلبك لحق ينفع الغير ويقويه ويرده إلى حجمه الطبيعي.
أو : أن الجدل مأخوذ من الجدال وهي الأرض، كأن يطرح القوي الضعيف أرضا في صراع مثلا.
والجدال يكون بين شخصين، لكل منهما رأيه الذي يألفه ويحبه ويقتنع به، فحين تجادله تريد أن تخرجه عن رأيه الذي يألف إلى رأيك الذي لا يألفه ولم يعتده، فأنت تجمع عليه أمرين : أن تخرجه عما ألف واعتاد إلى ما لم يألف، فلا يكن ذلك بأسلوب يكرهه حتى لا تجمع عليه شدتين.
فعليك إذن باللين والاستمالة برفق ؛ لأن النصح ثقيل كما قال شوقي رحمه الله : فلا تجعله جبلا، ولا ترسله جدلا، وعادة ما يظهر الناصح أنه أفضل من المنصوح، ويقولون : الحقائق مرة، فاستعيروا لها خفة البيان ؛ لأنك تخرج خصمك عما ألف، فلا تخرجه عما ألف بما يكره، بل بما يحب.
والإنسان قد يعبر عن الحقيقة الواحدة تعبيرا يكره، ويعبر عنها تعبيرا يحب وترتاح إليه، كالملك الذي رأى في منامه أن كل أسنانه قد سقطت، فطلب من يعبر له ما رأى، فجاءه المعبر واستمع منه، ثم قال : معنى هذه الرؤيا يا مولاي أن أهلك جميعا سيموتون، فتشاءم من هذا التعبير ولم يعجبه، فأرسلوا إلى آخر فقال : هذا يعني أنك ستكون أطول أهل بيتك عمرا، فسر الملك بقوله. فهنا المعنى واحد، لكن أسلوب العرض مختلف.
ودخل رجل على آخر، فوجده يبكي فقال : ما يبكيك ؟ قال : أخذت ظلما، فتعجب وقال : فكيف بك أخذت عدلا ؟ أكنت تضحك. والمعنى أن من أخذ ظلما لا ينبغي له أن يحزن ؛ لأنه لم يفعل شيئا يشينه، والأولى بالبكاء من أخذ عدلا وبحق.
ورجل قتل له عزيز فجلس يصرخ ويولول، فدخل عليه صاحبه مواسيا فقال له الرجل : إن ابني قتل ظلما، فقال صاحبه : الحمد لله الذي جعل منك المقتول، ولم يجعل منك القاتل.
إذن : سلامة المنطق وخفة البيان أمر مهم، وعلى المجادل أن يراعي بيانه، وأن يتحين الفرصة المناسبة، فلا تجادل خصمك وهو غضبان منك أو وأنت غضبان منه. قالوا : مر رجل فوجد صبيا يغرق في البحر، فلم ينتظر حتى يخلع ثيابه، وألقى بنفسه وأنقذ الصبي، ثم أخذ يضربه ويلطمه، والولد يقول : شكرا لك بارك الله فيك، لماذا ؟ لأنه قسا عليه بعد أن أنقذه، لكن ما الحال لو وقف على البر، وكال له الشتائم وعنفه، لماذا ينزل البحر وهو لا يعرف العوم ؟ لذلك يقول الحكماء : آس ثم انصح.
لذلك يعلمنا ربنا – عز وجل – أصول الجدل وآدابه ؛ لأنه يريد أن يخرج بهذا الجدل أناسا من الكفر إلى الإيمان، ومن الجحود إلى اليقين، وهذا لا يتأتى إلا باللطف واللين، كما قال سبحانه : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. ١٢٥ [ النحل ]
ويعلمنا سبحانه أن للجدل مراتب بحسب حالة الخصم، فالذي ينكر وجود الله له جدل مخصوص، والذي يؤمن بوجود الله ويقول : إن معه شريكا. له جدل آخر، ومن يؤمن بالله ويقول سأتبع نبيي ولن أتبعك له جدل آخر وبشكل خاص، والمختلفون معك من أهل ملتك لهم جدل يليق بحالهم.
إذن : للجدل مراتب نلحظها في أسلوب القرآن، فبم جادل الذين لا يؤمنون بوجود إله ؟ قال : أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ٣٥ أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون٣٦ [ الطور ]
فأتى لهم بمسألة الخلق الظاهرة التي لم يدعها أحد، ولا يجرؤ أحد على إنكارها، حتى المشركون والملاحدة ؛ لأن أتفه الأشياء في صناعاتهم يعرفون صانعها، ويقرون لع بصنعته، ولو كانت كوبا من زجاج أو حتى قلم رصاص، لا بد أن لكل صنعة صانعا يناسبها.
أليس من خلق السموات والأرض والشمس والقمر.. إلخ أولى بأن يعترفوا له سبحانه بالخلق ؟ وهم أنفسهم مخلوقون ولم يقولوا إنا خلقنا أنفسنا، ولم يقولوا خلقنا غيرنا، فمن خلقهم إذن ؟
وقلنا : إن الدعوى تثبت لصاحبها ما لم يقم لها معارض، والحق – سبحانه وتعالى – قال علانية، وعلى لسان رسله، وفي قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وأسمع الجميع : أنا خالق هذا الكون. فإن قال معاند : فمن خلق الله ؟ نقول : الذي خلقه عليه أن يعلن عن نفسه.
والحق سبحانه شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو شهد الله أنه لا إله إلا هو.. ١٨ [ آل عمران ] ولم يقل أحد أنا الإله. إذن : الذين ينكرون الخالق لا حق لهم. هذا في جدال الملاحدة الذين ينكرون وجود الله.
أما الذين يؤمنون بوجود الله، لكن يتحذون معه سبحانه شركاء، فنجادلهم على النحو التالي : شركاؤكم مع الله غيب أو شهادة ؟ إن قالوا : غيب فإن الله تعالى شهد لنفسه بالوحدانية. وقال : أنا واحد لا شريك لي، فأين كان شركاؤكم ؟
لماذا لم يدافعون عن ألوهيتهم مع الله ؟ إما لأنهم ما دروا بهذا الإعلان، وإما أنهم دروا وعجزوا عن المواجهة، وفي كلتا الحالتين تنتفي عنهم صفة الألوهية، فأي إله هذا الذي لا يدري بما يدور حوله، أو يجبن عن مواجهة خصمه ؟
فإن قالوا : شركاؤنا الأصنام والأشجار والكواكب وغيرها، فهذه من صنع أيديهم، فكيف يعبدونها، ثم هي آلهة لا منهج لها ولا تكاليف، وإلا فبماذا أمرتهم وعم نهتهم ؟ إذن : عبادتهم لها باطلة.
ثم نسأل الذين يتخذون مع الله شركاء : أهؤلاء الذين تشركونهم مع الله يتواردون على الأشياء بقدرة واحدة، أم يتناوبون عليها، كل منهم يقدر على شيء معين ؟
إن كانوا يزاولون الأشياء بقدرة واحدة، فواحد منهم يكفي والباقون لا فائدة منهم، وإن كانوا يتناوبون على الأشياء، فكل منهم قادر على شيء عاجز عن الشيء الآخر، والإله لا يكون عاجزا.
وقد رد الحق سبحانه على هؤلاء بقوله تعالى : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا٤٢ [ الإسراء ] أي : لذهبوا إليه إما ليعنفوه ويصفوا حساباتهم معه، وكيف أخذ الأمر لنفسه، وإما ليتوددوا إليه ويعاونوه.
وفي موضع آخر : إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض.. ٩١ [ المؤمنون ]
وبعد أن بينا جدال الملاحدة الذين ينكرون وجود الإله وجدال أهل الشرك نجادل أهل الكتاب، وهم ألطف من سابقيهم ؛ لأنهم مؤمنون بإله وأنه الخالق، ومؤمنون بالبلاغ عن الله، ومؤمنون بالكتب التي نزلت، والخلاف بيننا وبينهم أنهم لا يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم في حين نؤمن نحن برسلهم وكتبهم، وهذه أول ميزة تميز بها الإسلام على الأديان الأخرى.
ونقول لهؤلاء : لقد آمنت برسولك، وقد سبقه رسل، فلماذا تنكر أن يأتي رسول بعده ؟ ثم هل جاء الرسول بعد رسولك ليناقضه في أصول الأشياء ؟ إنهم جميعا متفقون على أصول العقيدة والأخلاق، متفقون على أنهم عباد لله متحابون، فلماذا تختلفون أنتم ؟
فربنا – تبارك وتعالى – يعلمنا ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.. ٤٦ [ العنكبوت ] لأنهم ليسوا ملاحدة ولا مشركين، فهم مؤمنون بإلهكم وبالرسل وبالكتب، غاية ما هنالك أنهم لا يؤمنون برسولكم.
لذلك يعترض بعض الناس : كيف يبيح الإسلام أن يتزوج المسلم من كتابية، ولا يبيح للمسلمة أن تتزوج كتابيا ؟ نقول : لأن أصل القوامة في الزواج للرجل، والزوج المؤمن حين يتزوج كتابية مؤمن برسولها، أما الزوج الكتابي فغير مؤمن برسول المؤمنة، فالفرق بينهما كبير.
معنى : إلا بالتي هي أحسن.. ٤٦ [ العنكبوت ] أن في الجدال حسنا وأحسن، وقد سبق الجدال الحسن في قوله تعالى : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين٢٤ [ سبأ ] ونوح عليه السلام يتلطف في جدال قومه، فيقول : قل إن اقتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون٣٥ [ هود ]
فينسب الافتراء إلى نفسه، ويتهم نفسه بالإجرام إن افترى، فإن لم يكن هو المفتر، وهو المجرم فهم.
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول في جدال قومه : قل تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون٢٥ [ سبأ ] فيذكر صلى الله عليه وسلم الجريمة في حقه هو ولا يذكرها في حق المعاندين المكذبين، فأي أدب في الدعوة أرفع من هذا الأدب ؟
إذن : جادل غير المؤمنين بالحسن، وجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، لما يمتازون به عن غيرهم من ميزة الإيمان بالله. فإن تعدوا وظلموا أنفسهم في مسألة القمة الإيمانية، فادعوا أن لله ولدا أو غيره، فإنهم بذلك يدخلون في صفوف سابقيهم من المشركين، فإن كنا مأمورين بأن نجادلهم بالتي هي أحسن وقالوا بهذا القول، فعلينا أن نجادلهم بما يقابل الأحسن، نجادلهم إما بالحسن، وإما بغير الحسن أي : بالسيف.
لكن، هل يفرض السيف عقائد ؟ السيف لا يأخذ من الناس إلا قوالبهم.
أما القلوب فلا يخضعها إلا الإيمان، والله تعالى لا يريد قوالب، إنما يريد قلوبا.
واقرأ قوله تعالى في سورة الشعراء : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ٣ إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ٤ [ الشعراء ] فإن أراد سبحانه قهر القوالب والقلوب على الخضوع، بحيث لا يستطيع أحد أن يتأبى على الإيمان ما وجد كافر، وما كفر الكافر إلا لما أعطاه الله من منطقه الاختيار ؛ فالحق سبحانه يريد منا قلوبا تحبه سبحانه وتعبده ؛ لأنه سبحانه يستحق أن يعبد.
إذن : الذين يخرجون عن نطاق الكتابية بتجاوزهم الحد، وقولهم أن عيسى ابن الله، أو أن الله ثالث ثلاثة، إنما يدخلون في نطاق الشرك والكفر، ولن نقول لهؤلاء : اتبعوا رسولنا، وإنما اتبعوا رسولكم، والكتاب الذي جاءكم به من عند الله ؛ وسوف تجدون فيه البشارة بمحمد الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة
((اختلف العلماء في قوله تعالى {ولا تجادلوا أهل الكتاب.. ٤٦ [العنكبوت]
فقال مجاهد: هي محكمة، فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل، والتنبيه على حججه وآياته، رجاء إجابتهم إلى الإيمان، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله.. ٢٩[التوبة])).
ثم قال القرطبي: ((قول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخير يقطع العذر، أو حجة من معقول. واختار هذا القول ابن العربي))..
تفسير الشعراوي
الشعراوي