ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر الدليل على أن القرآن من عند الله وليس بمفترى من عند محمد صلى الله عليه وسلم - أردف هذا شبهة أخرى لهم، وهي أنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي لهم بمعجزة محسوسة كما أتى بذلك الأنبياء السابقون كناقة صالح وعصا موسى، فأجابهم بأن أمر ذلك إلى الله لا إليه، فلو علم أنكم تهتدون بها لأجابكم إلى ما طلبتم، ثم بين سخف عقولهم وطلبهم الآيات الدالة على صدقه بعد أن جاءهم بالمعجزة الباقية على وجه الدهر وهي القرآن يتلى عليهم آناء الليل وأطراف النهار، فيه خبر من قبلهم ونبأ من بعدهم وحكم ما بينهم، وفيه بيان الحق ودحض الباطل، وفيه ذكرى حلول العقاب بالمكذبين والعاصين.
ثم أبان أن الله شهيد على صدقه وهو العليم بما في السماوات والأرض، ثم هدد الكافرين بأن كل من يكذب رسل الله بعد قيام الأدلة على صدقهم، ويؤمن بالجبت والطاغوت فقد خسرت صفقته، وسينال العقاب من ربه جزاء وفاقا على جحوده وإنكاره.
أخرج الدارمي وأبو داود عن يحيى بن جعدة قال : جاء ناس من المسلمين بكتب قد كتبوها فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" كفى بقوم حمقا أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم }فنزلت : أولم يكفهم الآية. وأخرج البخاري عند تفسير الآية قوله صلى الله عليه وسلم :{ ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أي يستغن به عن غيره. وعن عبد الله بن الحارث الأنصاري قال : دخل عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب فيه مواضع من التوراة فقال : هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرا شديدا لم أر مثله قط، فقال عبد الله بن الحارث لعمر : أما ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر : رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :" لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنا حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم " أخرجه عبد الرزاق.
الإيضاح : قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا أي كفى الله عالما بما صدر مني من التبليغ والإنذار، وبما صدر منكم من مقابلة ذلك بالتكذيب والإنكار، وهو المجازي كلا بما يستحق، وإني لو كنت كاذبا عليه لانتقم مني كما قال : ولو تقول علينا بعض الأقاويل( ٤٤ )لأخذنا منه باليمين( ٤٥ )ثم لقطعنا منه الوتين( ٤٦ )فما منكم من أحد عنه حاجزين ( الحاقة : ٤٤-٤٧ )بل إني صادق فيما أخبرتكم به، ومن ثم أيدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات.
ثم علل كفايته وأكدها بقوله :
يعلم ما في السماوات والأرض أي هو العليم بكل ما فيهما، ومن جملته شأني وشأنكم، فيعلم ما تنسبونه إلي من التقول عليه، وبما أنسبه إليه من القرآن الذي يشهد لي به عجزكم عن الإتيان بمثله، فهو حجتي الفالجة عليكم، التي لم تستطيعوا لها ردا ولا دفعا.
ولما بين طريق الجدل مع كل من أهل الكتاب والمشركين - عاد إلى تهديد المشركين وبين مآل أمرهم، فقال :
والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون أي والذين يعبدون الأوثان والأصنام ويكفرون بالله، مع تظاهر الأدلة التي في الآفاق والأنفس على الإيمان به، ويكفرون برسوله مع تعاضد البراهين على صدقه، أولئك هم الأخسرون أعمالا، المغبونون في صفقتهم، من حيث اشتروا الكفر بالإيمان، فاستوجبوا العقاب حين الوقوف بين يدي الملك الديان.
وخلاصة ذلك : إن الله سيجزيهم على ما صنعوا من تكذيبهم بالحق، واتباعهم للباطل، وتكذيبهم برسول الله، مع قيام الأدلة على صدقه نارا تلظى( ١٤ )لا يصلاها إلا الأشقى( ١٥ )الذي كذب وتولى ( الليل : ١٤-١٦ ).

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير