ﮙﮚﮛﮜﮝ

ثم يقول الحق سبحانه :
الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ٥٩
فهذه من صفات العاملين الذين صبروا... ٥٩ ( العنكبوت ) فلا تظن أن العمل ما كان في بحبوحة العيش وترف الحياة، فالعامل الحق هو الذي يصبر، وكلمة الذين صبروا.... ٥٩ ( العنكبوت ) تدل على أنه سيتعرض للابتلاء، كما قال سبحانه : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ٢ ( العنكبوت )
فالذين اضطهدوا وعذبوا حتى اضطروا للهجرة بدينهم صبروا، لكن هناك ما هو أكبر من الصبر ؛ لأن خصمك من الجائز أن يصبر عليك، فيحتاج الأمر إلى المصابرة ؛ لذلك قال سبحانه اصبروا وصابروا... ٢٠٠ ( آل عمران ) ومعنى : صابره. يعني : تنافس معه في الصبر.
والصبر يكون على آفات الحياة لتحتملها، ويكون على مشقة التكاليف، وعلى إغراء المعصية، يقولون : صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصدق الشاعر حين قال :
وكن رجلا كالضرس يرسو مكانه***ليمضغ لا يعنيه حلو ولا مر
فالمعنى الذين صبروا... ٥٩ ( العنكبوت ) على الإيذاء وعلى ربهم يتوكلون٥٩ ( العنكبوت ) أي : في الرزق، وكان المهاجرون عند هجرتهم يهتمون لأمر الرزق يقولون : ليس لنا هناك دار ولا عقار ولا... إلخ. فأراد سبحانه أن يطمئن قلوبهم على مسألة الرزق، فقال وعلى ربهم يتوكلون٥٩ ( العنكبوت )
فالذي خلقك لا بد أن يخلق لك رزقك، ومن عجيب أمر الرزق أن رزقك ليس هو ما تملك إنما ما تنتفع به حقيقة، فقد تملك شيئا ويسرق منك، وقد يطهى لك الطعام، ولا تأكله، بل أدق من ذلك قد تأكله ولا يصل إلى معدتك، وربما يصل إلى المعدة وتقيئه، وأكثر من ذلك قد يتمثل الغذاء إلى دم ثم ينزف منك في جرح أو لدغة بعوضة أو غير ذلك ؛ لأن هذا ليس من رزقك أنت، بل رزق لمخلوق آخر.
إنك تعجب حينما ترى التمساح مثلا على ضخامته وخوف الناس منه، ومع ذلك تراه بعد أن يأكل يخرج إلى اليابسة، حيث يفتح فمه لصغار الطيور، فتتولى تنظيف ما بين أسنانه من فضلات الطعام، وترى بينهما انسجاما تاما وتعاونا إيجابيا، فحين يتعرض التمساح مثلا لهجمة الصياد يحدث الطير صوتا معينا يفهمه التمساح فيسرع بالهرب.
فانظر من أين ينال هذا الطير قوته ؟ وأين خبأ الله له رزقه ؟ لذلك يقولون ( اللي شقه خلق لقه ).
وسبق أن ضربنا مثلا على خصوصية الرزق بالجنين في بطن أمه، فحينما تحمل الأم بالجنين يتحول الدم إلى غذاء للطفل، فإن لم تحمل نزل هذا الدم ليرمى به دون أن تستفيد منه الأم، لماذا ؟ لأنه رزق الجنين، وليس رزقها هي.
لذلك نجد الآية بعدها تقول ١ :
وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ٦٠

١ سبب النزول الآية: عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار، فجعل يلقط من التمر ويأكل، فقال: يا بن عمر ما لك لا تأكل؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله. فقال: لكني أشتهيه وهذه صبيحة رابعة ما ذقت طعاما ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين؟ قال: فو الله ما برحنا حتى نزلتوكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم٦٠(العنكبوت). أخرجه الواحدي النيسابوري في أسباب النزول (ص١٩٦) قال القرطبي في تفسيره(٧/٥٢٥٠):" هذا ضعيف، يضعفه أنه عليه السلام كان يدخر لأهله قوت سنتهم، اتفق البخاري عليه ومسلم، وكان الصحابة يفعلون ذلك وهم القدرة، وأهل اليقين والأئمة من بعدهم من المتقين المتوكلين"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير