كما بيَّنه بقوله : ولله ما في السماوات وما في الأرض ملكاً وخلقاً وعبيداً، فيجازي كلا بما وَعَدَه، وأوْعَدَه، وإلى الله ترجع الأمور كلها ؛ فيتصرف على وفْقِ مراده وسَابق مشيئته، لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبيَاء : ٢٣ ].
الإشارة : قد نهى الله - تعالى - أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، من بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأيّ عذاب أعظم من الحجاب ؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين ؛ لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مُبْيَضَّةً بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال : أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم ؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي : جنة المعارف فِي مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر [ القَمَر : ٥٥ ]، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أنَّ الأمور كلها بيده، يهدي مَن يشاء ويضل من يشاء، وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَمٍ لِّلْعَبِيدِ [ فُصّلَت : ٤٦ ]. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي