( ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور ) فهو مالك العباد والمتصرف في شؤونهم وإلى سننه الحكيمة ترجع أمورهم ولكل سنة منها غاية تنتهي إليها لا تبديل لها ولا تحويل فلا يطمع أهل التفرق والخلاف بالوصول إلى غاية أهل الوحدة والاتفاق. فهذه الآية وردت كالدليل على ما قبلها. ووجه الدلالة فيها على ما جرينا عليه في تفسير ما قبلها ظاهر. فإننا بينا أن المراد بالظلم المنفي هو الظلم بالتشريع، لأن الكلام في تلك الآيات وما فيها من الأحكام فهو على حد قوله في أحكام الصيام ( يريد الله بكم اليسر ولا يرد بكم العسر ) [ البقرة : ١٨٥ ] وقوله بعد الأمر بالوضوء والغسل ( ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ) [ المائدة : ٦ ] الخ. والأمر ظاهر لا مجال فيه للخلاف وكثرة الآراء لولا المذاهب التي وضعت أصولها وقواعدها ثم نظر أصحابها في القرآن يلتمسون تأييدها به وحمله عليها.
فقد قالت المعتزلة : إن الظلم في الآية جاء نكرة في سياق النفي فهو عام، والمعنى أنه لا يريد الظلم مطلقا من أفعاله ولا من أفعال عباده، وما لا يريده لا يقع منه حتما، وقد ثبت في العقل والنقل أن من أفعال العباد ما هو ظلم فتعين أن تكون أفعالهم منهم لا منه، ووجهوا الآية الثانية على إثبات هذا. وقال الأشعرية : إن وقوع الظلم منه تعالى محال لأنه عبارة عن تصرف الإنسان في ملك غيره وليس لغير الله ملك فيكون ظلما بتصرف فيه. ولذلك بين بعد نفي إرادة الظلم أن له ما في السماوات والأرض. فهم يقولون إنه لو عذب الأتقياء الصالحين وأثاب الفجار المفسدين لم يكن ذلك منه ظلما بل عدلا لأنه تصرف في ملكه.
ونحن نقول : أولا : إن الآيتين في واد وهذه المسائل الكلامية في واد آخر. وثانيا إن الظلم محال عليه تعالى لا لأن الظلم عبارة عن تصرف المتصرف في ملك غيره وأن تصرفه في ملكه لا يمكن أن يكون ظالما، فإن هذا غير صحيح، وإنما يستحيل عليه الظلم لأنه ينافي الحكمة والكمال في النظام وفي التشريع. ومن حمل عبيده أو دوابه ما لا تطيق يقال إنه قد ظلمها، بل قالوا فيمن حفر الأرض ولم تكن موضعا للحفر إنه ظلمها وسموها الأرض المظلومة وسموا التراب الذي يخرج منها المظلوم، ومن نقص امرءاً حقه فقد ظلمه، قال تعالى :( كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ) [ الكهف : ٢٣ ] ولعل هذا هو الأصل في معنى الظلم. وقال الراغب " الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه " فالظلم الذي ينفيه تعالى عن نفسه في الأحكام هو ما ينافي مصلحة العبادة وهدايتهم لسعادة الدنيا والآخرة وفي الخلق ما ينافي النظم والاحكام.
ومن مباحث اللفظ والنظم في الآيات أنه جعل النشر في آية ( يوم تبيض وجوه ) الخ على غير ترتيب اللف، إذ ذكر في اللف الابيضاض قبل الاسوداد وذكر في النشر حكم من اسودت وجوههم قبل حكم من ابيضت وجوههم. وليس اللف والنشر الذي يسمونه المرتب أبلغ مما يسمونه المشوش، وإنما يختلف ذلك باختلاف الكلام فلا يرجح أحدهما على الآخر إلا بمرجح. وقد قيل إن نكتة الترجيح هنا جعل مطلع الكلام ومقطعه في بيان حال المؤمنين وجزائهم، فوافق ذلك استحسان البلغاء جعلهما مما يسر ويشرح الصدر. وقيل إن نكتة ذلك بيان أن المقصود من الخلق الرحمة دون العذاب، ولذلك بدأ بذكر أهل الرحمة وختم بذكر جزائهم وأدمج ذكر الآخرين في الأثناء. والقول الأول ترجيح بحسب اللفظ والثاني ترجيح بحسب المعنى. ومما يقوى هذا أنه تعالى ذكر أن أهل الرحمة خالدون فيها ولم يذكر أن أهل العذاب خالدون فيه. نبه على هذا المعنى الرازي وبين أنه تعالى أضاف الرحمة إلى نفسه دون العذاب. وذكر علة العذاب وسببه وهو " بما كنتم تكفرون " ثم ذكر أنه لا يريد ظلما للعالمين قال " وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب ". فيا ويل المتفرقين المختلفين المتعادين في دين الرحمة الذي يأخذ بحجزهم أن يتقحموا في العذاب وهم يتهافتون عليهم بجهلهم وسوء اختيارهم.
تفسير المنار
رشيد رضا