ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

المعنى الجملي : بعد أن أمر عز اسمه عباده المؤمنين بالاعتصام بحبله وذكرهم بنعمته عليهم بتالف قلوبهم بأخوة الإسلام وحذرهم من أن يكونوا مثل أهل الكتاب في التمرد و العصيان و توعدهم على ذلك بالعذاب الأليم و استطرد بين ذلك بذكر من يبيض وجهه ومن يسود و بذكر شيء من أحوال الآخرة
أردف ذلك ذكر فضل المتآخين في دينه المعتصمين بحبله ليكون هذا باعثا لهم على الانقياد و الطاعة، إذ كونهم خير الأمم ما يقوي داغيتهم في ألا يفوتوا على أنفسهم هذه المزية و إنما يكون ذلك بالمحافظة على إتباع الأوامر وترك النواهي.
و الذلة : هي الذل الذي يحدث في النفوس من فقد السلطة و ضربها عليهم هو التصاق بهم و ظهور إثرها فيهم، كما يكون من ضرب السكة بما ينقش فيها و تقفوا و جدوا و الحبل : العهد و باؤوا : أي لبثوا و حلوا قيه من المباءة و هو المكان و منه تبوأ فلان منزل وكذا وبوأته إياه و الاعتداء : تجاوز الحد.
ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس أي إنهم ألزموا الذلة فلا خلاص لهم منها فحالهم معهم أنهم أذلاء مهضومو الحقوق رغم أنوفهم إلا بعهد من الله وهو ما قررته الشريعة إذا دخلوا في حكمها من المساواة في الحقوق و القضاء و تحريم الإيذاء وعهد من الناس وهو ما تقتضيه المشاركة في المعيشة من احتياجهم إليكم و احتياجكم إليهم في بعض الأمور وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يحسن معاملتهم و يقترض منهم و كذلك الخلفاء الراشدون
و الخلاصة : إن هؤلاء لا عزة لهم في أنفسهم لان السلطان و الملك قد فقدا منهم وإنما تأتيهم العزة من غيرهم بهذين العهدين : العهد الأول الذي قرره الله و العهد الذي تواطأ عليه الناس.
وباؤوا بغضب من الله أي وصاروا مستحقين غضب الله مستوجبين سخطه و أحاطت بهم المسكينة و الصغار فهم تابعون لغيرهم يؤدون ما يضرب عليهم من المال وادعين ساكنين.
و هذا الوصف صادق على اليهود إلى اليوم في كل بقاع الأرض.
وقد ارتفع الذل عنهم في بلاد الإسلام بحبل من الله وهو ما ذكرناه فيما سلف من وجوب معاملتهم بالمساواة و احترام دمائهم و أعراضهم وأموالهم والتزام حمايتهم و الذود عنهم بعد إنقاذهم من ظلم حكامهم السابقين و بحبل من الناس كما تقدم بيانه.
وأما ارتفاع المسكنة بأن يكون لهم ملك و سلطان يوما ما، فالقرآن ينفيه عنهم لأنه لم يستثن من ذلك شيئا كما استثنى في الذلة، فاقتضى بقاء ذلك عليهم إلى الأبد لكنهم يقولون إنهم مبشرون بظهور مسيح ( ميسا ) فيهم ومعناه ذو الملك و الشريعة و النصارى يقولون : إن هذا الموعود به هو المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام و المراد بالملك الروحاني.
و الخلاصة : إنهم متفرقون في أقطار الأرض على قتلهم منصرفون عن فنون الحرب و أعمالها بعيدون عن الزراعة و متعلقاتها لعنايتهم بجمع المال من أيسر سبله و أكثرها نماء وأقلها تعبا و عناء وهو الربا.
وقد ذكر الله سبب ذلك و علته فقال :
ذاك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق أي ذلك الذي ذكر من ضرب الذلة و المسكنة عليهم و استحقاقهم للغضب الإلهي بسبب كفرهم وقتلهم النبيين بغير حق تعطيهم إياه شريعتهم.
وفي النص على أن ذلك بغير حق مع أنه لن يكون إلا ذلك تشنيع عليهم وإثبات لأن ذلك حدث عن عمد لا عن خطأ ثم أشار إلى سبب هذا الكفر و العدوان الشنيع فقال :
ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون أي إنه ما جرأهم على ذلك إلا سبق المعاصي واعتداؤهم على حدود الله و الاستمرار على الصغائر يفضى إلى الوقوع في الكبائر.
فمن جعلها ديدنا له واتخذها عادة وصل به ذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء المرشدين وقتل الأنبياء وإن كان لم يصدر من اليهود الذين كانوا في عصر التنزيل بل كان من أسلافهم لكنهم لما كانوا راضين به مصوبين له نسب إليهم إذ صار خلقا لهم يتوارثه الخلف عن السلف و الأبناء عن الآباء.
و الأمم متكافلة ينسب إلى مجموعها ما فشا فيها وإن ظهر بعض آثاره في زمن دون آخر.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير