عدوهم.
وفي قوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى...) الآية - دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أخبر بذلك قبل أن يكون، فكان على ما أخبر؛ فدل أنه إنما علم ذلك باللَّه عزّ وجل.
وقوله: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ (١١٢)
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " ضُربت عليهم المسكنة " وليس فيه الذلة، وفي حرف حفصة: " ضربت عليهم المسكنة والذلة ".
ثم اختلف في (الذِّلَّةُ): قيل: هي الجزية التي ضربت عليهم، وهي ذلة؛ كقوله: (عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)؛ لأنهم كانوا يأنفون عنها.
وقوله: (أَيْنَ مَا ثُقِفُوا) أي: وجدوا.
(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) يعني: بعهد من اللَّه، وعهد من الناس يكون تحت قوم يؤدون الجزية؛ وكذلك تأوّل ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) أي: بعهد من اللَّه، وعهد من الناس.
وقال مقاتل: و " الناس " في هذا الموضع: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة.
ويحتمل قوله: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) بكفرهم فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا أهل ذكر وشرف وعز فيما بينهم.
(أَيْنَ مَا ثُقِفُوا)
أي؛ لا يوجدون إلا بحبل من اللَّه وحبل من الناس - بالإسلام، أي: لا يظفرون بهم ولا يوجدون؛ إلا أن يسلموا لخوفهم على أنفسهم.
وقوله: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ):
قيل: استوجبوا غضبًا من اللَّه بكفرهم.
وقيل: رجعوا.
وقيل: وجب عليهم الغضب.
وقد ذكرنا هذا في غير موضع. واللَّه أعلم.
وقوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ)؛
وهي الحاجة والفقر، وهو ما ذكرنا: أنهم ظاهروا المشركين على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مع قربهم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبعدهم بالمشركين؛ فأذلهم اللَّه - تعالى - بذلك، وجعلهم أهل حاجة وَضِعة فيما بين المسلمين، بعد ما كانوا أهل عزّ وشرف فيما بينهم؛ وهو كقوله: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ...) الآية.
قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وقد يحتمل رجوع الآية إلى خاص منهم، وهم الذين ذكر اللَّه في قوله: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ) الآية، وغير ذلك مما يصير فيه المسلمون. يعرف حقيقة المراد من شهد النوازل، وعرف الأسباب التي لها جاءت البشارات.
ويحتمل: أن اللَّه - تعالى - جعل كل حاجاتهم إلى ما يفنى؛ وهي الدنيا التي لا بقاء لها ولا منفعة في الحقيقة، فهي حاجة، ثم بما فيهم بالجهل أن ذلك فيهم حاجة.
ويحتمل: أن اللَّه مع ما وسع عليهم الدنيا - جعل في قلوبهم خوف الفقر، وأعظم الحاجات فهي المسكنة.
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ):
وآيات اللَّه: ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله: (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ):
يحتمل وجوهًا:
يحتمل: أن أوائلهم قد قتلوا الأنبياء بغير حق، وهَؤُلَاءِ رضوا بذلك، وإن كانوا
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم