ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١٢٢ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢٣ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥ وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ١٢٦ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ١٢٨ وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( آل عمران : ١٢١-١٢٩ )
تفسير المفردات : غدا : خرج غدوة- و الغدوة و الغداة : مابين طلوع الفجر و طلوع الشمس- و تبوئ أي تهيئ و تسوي و المقاعد واحدها مقعد : مكان القعود والمراد المواطن و المواقف
استطراد إليه الحاجة :
من هذه الآيات إلى ستين آية بعدها نزلت في غزوة أحد فوجب ذكر طرف من أخبار هذه الواقعة ليستعين به القارئ على فهمها و يعرف مواقع أخبارها و يستيقن من حكمها و أحكامها.
و لكن عليك أن تعرف قبل هذا أن قريشا اغتاظت من هجرة النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه إلى المدينة و حقدوا على أهلها إيواءهم للمسلمين و تهددوهم فكان لا بد من الاستعداد للدفاع و قد صار النبي صلى الله عليه و سلم داعية للدين و رئسا لحكومة المدينة وقائدا لجيشها.
هذا و قد أدى دفاع المسلمين عن أنفسهم إلى سلسلة من الغزوات بها انتشر الإسلام بسرعة لم تعهد في التاريخ و قد اشترك النبي صلى الله عليه و سلم في تسع منها أشهرها.

وقعة بدر :

كانت قريش ترى أن محمدا و أصحابه شرذمة من الثوار يجب أن تقتل ولا سيما بعد أن صارت لهم القوة في المدينة وهي على طريق التجارة إلى الشام فجد المسلمون في مهاجمة قوافل مكة و نالوا أول انتصار لهم في السنة الثانية من الهجرة في غزوة بدر-بئر بين مكة و المدينة كانت لرجل يسمى بدرا فسميت باسمه- و كانت هذه الوقعة نصرا مؤزرا للمسلمين و كارثة كبرى على المشركين وكان لها دوي عظيم في أرجاء البلاد العربية من أقصاها إلى أقصاها.
وقعة أحد على نحو ميل من المدينة إلى الشمال :
و لما خذل المشركون في وقعة بدر ورجع فَلُّهم إلى مكة مقهورين- أخذ أبو سفيان يؤِلب المشركين على الرسول صلى الله عليه و سلم إذ كان هو الرئيس بعد مقتل من قتل من صناديد قريش فاجتمعوا للحرب و كانوا نحو ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دراع و معهم مائتا فرس فاجتمعوا للحرب و كانوا ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دراع و معهم مائتا فرس وقائدهم أبو سفيان بن حرب و معه زوجه هند بنت عتبة وكان جملة النساء خمس عشرة امرأة و معهن الدفوف يضربن بها و يبكين على قتلى بدر و يحرضن المشركين على حرب المسلمين و ساروا من مكة حتى نزلوا مقابل المدينة في شوال سنة ثلاثة من الهجرة و كان رأي رسول الله صلى الله عليه و سلم المقام في المدينة و قتالهم بها و رأى باقي الصحابة الخروج لقتالهم فخرج في ألف من الصحابة إلى أن صار بين المدينة و أحد فانخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلث الناس و نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم الشعب من أحد و جعل ظهره إلى الجبل و كان عدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم سبعمائة فيهم مائة دراع و لم يكن معهم من الخيل سوى فرسين و كان لواء رسول الله صلى الله عليه و سلم مع مصعب ابن عمير و على ميمنة المشركين خالد بن الوليد و على مسيرتهم عكرمة بن أبي جهل ولواؤهم مع بني عبد الدار.
ولما التقى الجمعان قامت هند زوج أبي سفيان و معها النسوة يضربن الدفوف و هي تقول :
ويهــا بني عبــد الــدار ويهــا حمــاة الأدبـــار ضربــا بكــــل بتـــار
وقاتل حمزة قتالا شديدا و لما قتل مصعب ابن عمير أعطى النبي صلى الله عليه و سلم الراية لعلي بن أبي طالب.
ولما انهزم المشركون طمعت الرماة في الغنيمة وفارقوا المكان الذي أمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بملازمته فأتى خالد بن الوليد مع خيل المشركين من خلف المسلمين ووقع الصراخ أن محمد قد قتل وانكشف المسلمون وأصاب العدو منهم و كان يوم بلاء على المسلمين وكان عدة الشهداء من المسلمين سبعين رجلا و عدة قتلى المشركين اثنين و عشرين رجلا ووصل العدو إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصابته حجارتهم حتى وقع وأصيبت رباعيته و شج في وجهه و كلمت شفته و جعل الدم يسيل على و جهه و هو يقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم و جعل يدعوهم إلى ربهم فنزل قوله تعالى : ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون .
و دخلت حلقتان من حلق المعفر في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم في الشجة و نزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه صلى الله عليه و سلم فسقطت ثنية من ثنياته ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى و امتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنتيه و طمع فيه المشركون وأدركوه يريدون منه ما الله عاصمه منه كما قال : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ( المائدة : ٦٧ ) و أصابت طلحة يومئذ ضربة شديدة شلت يده و هو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و مثلت هند و صواحبها بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجدعن الأنوف و صلمن الآذان واتخذن منها قلائد و بقرب هند عن كبد حمزة ولاكتها ولم تستسغها وضرب أبو سفيان شدق حمزة بزج الرمح و صعد الجبل و صرخ بأعلى صوته الحرب سجال يوم بيوم بدر أُعْلُ هبل ( صنم الكعبة ) أي ظهر دينك.
ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى : إن موعدكم بدر العام القابل فقال النبي صلى الله عليه و سلم :" قولوا له : هو بيننا و بينكم " ثم سار المشركون إلى مكة و بحث رسول الله صلى الله عليه و سلم عن عمه حمزة فوجده مقبور البطن مجدوع الأنف مصلوم الأذن فقال : لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين منهم ثم أمر أن يسجى عمه ببردته ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى فوضعهم إلى جانب حمزة واحد بعد واحد حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة ثم أمر بحمزة فدفن واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك وقال ادفنوهم حيث صُرِعوا.
وإذا علمت ما تقدم سهل عليك فهم هذه الآيات و ما بعدها مما له صلة بهذه الوقعة الهامة في تاريخ الإسلام و ما فيها من عظة و
عبرة للمسلمين فقد كانت نبراسا لهم في كل حروبهم و أعمالهم في حياة النبي صلى الله عليه و سلم و بعده- إذ علموا أن مخالفة القائد الأعظم لها الآثار و أن كل ما حدث فيها إنما جر إليه الطمع في الغنيمة و جمع حطام الدنيا وهو زائل و عرض مفارق.
المعنى الجملي : بعد أن نهى الله المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين كاشفوهم بالعداوة ثم أعملهم ببغضهم إياهم ثم أمرهم بالصبر و التقوى وأنهم إذا فعلوا ذلك لا يضرهم كيدهم شيئا – ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد و ما كان فيها من كيد النافقين إذ أذاعوا عن المؤمنين من قالة السوء ما أذاعوا ثم خرجوا معهم وانشقوا عنهم في الطريق و رجعوا بثلث الجيش ليوقعوا الفشل بين صفوفهم و يخذلونهم أمام عدوهم و ما كان من كيد المشركين وتألبهم عليهم و لم يكن لذلك من واق إلا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا موقعهم و إلا تقوى الله ومن أهم دعائمها طاعة الرسول فيما به أمر و عنه نهى و ذكرهم أيضا بما كان يوم بدر من نصرهم على عدوهم على قلتهم إذ جعلوا الصبر جنتهم و تقوى الله عدتهم فأصابوا من عدوهم ما أصابوا و كان لهم الفلج عليهم مما لا يزال مكتوبا في صحيفة الدهر مثلا خالدا لصدق العزيمة و البعد عن مطامع هذه الحياة.
الإيضاح : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال أي واذكر لهم أيها الرسول وقت خروجك من بيتك غدوة و هي سحر يوم السبت سابع يوم من شوال من سنة ثلاث للهجرة ؛ تهيئ أمكنة للقتال منها مواضع للرماة و مواضع للفرسان و مواضع لسائر المؤمنين.
و الله سميع عليم أي و الله سميع لما يقول المؤمنون لك فيما شاورتهم فيه من موضع لقائك عدوك و عدوهم كقول من قال : اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم في خارج المدينة و قول من قال : لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا، ولما تشير به أنت عليهم بأصلح تلك الآراء لك ولهم وبنية كل قائل من أخلص منهم في قوله وإن أخطأ في رأيه كالقائلين بالخروج إليهم، ومن لم يخلص في قوله وإن كان صوابا كعبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين.
قال ابن جرير : ضرب الله مثلا أو مثلين على صدق وعده في الآية السابقة : وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ( آل عمران : ١٢٠ ) بتذكيرهم بما كان يوم أحد وقوع المصيبة بهم عند ترك الرماة الصبر ( وذنب الجماعة أو الأمة لا يكون عقابه قاصرا على من اقترفه بل يكون عاما ) و بما كان يوم بدر إذ نصرهم على قلتهم و ذلتهم.


استطراد إليه الحاجة :
من هذه الآيات إلى ستين آية بعدها نزلت في غزوة أحد فوجب ذكر طرف من أخبار هذه الواقعة ليستعين به القارئ على فهمها و يعرف مواقع أخبارها و يستيقن من حكمها و أحكامها.
و لكن عليك أن تعرف قبل هذا أن قريشا اغتاظت من هجرة النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه إلى المدينة و حقدوا على أهلها إيواءهم للمسلمين و تهددوهم فكان لا بد من الاستعداد للدفاع و قد صار النبي صلى الله عليه و سلم داعية للدين و رئسا لحكومة المدينة وقائدا لجيشها.
هذا و قد أدى دفاع المسلمين عن أنفسهم إلى سلسلة من الغزوات بها انتشر الإسلام بسرعة لم تعهد في التاريخ و قد اشترك النبي صلى الله عليه و سلم في تسع منها أشهرها.
وقعة بدر :
كانت قريش ترى أن محمدا و أصحابه شرذمة من الثوار يجب أن تقتل ولا سيما بعد أن صارت لهم القوة في المدينة وهي على طريق التجارة إلى الشام فجد المسلمون في مهاجمة قوافل مكة و نالوا أول انتصار لهم في السنة الثانية من الهجرة في غزوة بدر-بئر بين مكة و المدينة كانت لرجل يسمى بدرا فسميت باسمه- و كانت هذه الوقعة نصرا مؤزرا للمسلمين و كارثة كبرى على المشركين وكان لها دوي عظيم في أرجاء البلاد العربية من أقصاها إلى أقصاها.
وقعة أحد على نحو ميل من المدينة إلى الشمال :
و لما خذل المشركون في وقعة بدر ورجع فَلُّهم إلى مكة مقهورين- أخذ أبو سفيان يؤِلب المشركين على الرسول صلى الله عليه و سلم إذ كان هو الرئيس بعد مقتل من قتل من صناديد قريش فاجتمعوا للحرب و كانوا نحو ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دراع و معهم مائتا فرس فاجتمعوا للحرب و كانوا ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دراع و معهم مائتا فرس وقائدهم أبو سفيان بن حرب و معه زوجه هند بنت عتبة وكان جملة النساء خمس عشرة امرأة و معهن الدفوف يضربن بها و يبكين على قتلى بدر و يحرضن المشركين على حرب المسلمين و ساروا من مكة حتى نزلوا مقابل المدينة في شوال سنة ثلاثة من الهجرة و كان رأي رسول الله صلى الله عليه و سلم المقام في المدينة و قتالهم بها و رأى باقي الصحابة الخروج لقتالهم فخرج في ألف من الصحابة إلى أن صار بين المدينة و أحد فانخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلث الناس و نزل رسول الله صلى الله عليه و سلم الشعب من أحد و جعل ظهره إلى الجبل و كان عدة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم سبعمائة فيهم مائة دراع و لم يكن معهم من الخيل سوى فرسين و كان لواء رسول الله صلى الله عليه و سلم مع مصعب ابن عمير و على ميمنة المشركين خالد بن الوليد و على مسيرتهم عكرمة بن أبي جهل ولواؤهم مع بني عبد الدار.
ولما التقى الجمعان قامت هند زوج أبي سفيان و معها النسوة يضربن الدفوف و هي تقول :
ويهــا بني عبــد الــدار ويهــا حمــاة الأدبـــار ضربــا بكــــل بتـــار
وقاتل حمزة قتالا شديدا و لما قتل مصعب ابن عمير أعطى النبي صلى الله عليه و سلم الراية لعلي بن أبي طالب.
ولما انهزم المشركون طمعت الرماة في الغنيمة وفارقوا المكان الذي أمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بملازمته فأتى خالد بن الوليد مع خيل المشركين من خلف المسلمين ووقع الصراخ أن محمد قد قتل وانكشف المسلمون وأصاب العدو منهم و كان يوم بلاء على المسلمين وكان عدة الشهداء من المسلمين سبعين رجلا و عدة قتلى المشركين اثنين و عشرين رجلا ووصل العدو إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصابته حجارتهم حتى وقع وأصيبت رباعيته و شج في وجهه و كلمت شفته و جعل الدم يسيل على و جهه و هو يقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم و جعل يدعوهم إلى ربهم فنزل قوله تعالى : ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون .
و دخلت حلقتان من حلق المعفر في وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم في الشجة و نزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه صلى الله عليه و سلم فسقطت ثنية من ثنياته ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى و امتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنتيه و طمع فيه المشركون وأدركوه يريدون منه ما الله عاصمه منه كما قال : وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ( المائدة : ٦٧ ) و أصابت طلحة يومئذ ضربة شديدة شلت يده و هو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و مثلت هند و صواحبها بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجدعن الأنوف و صلمن الآذان واتخذن منها قلائد و بقرب هند عن كبد حمزة ولاكتها ولم تستسغها وضرب أبو سفيان شدق حمزة بزج الرمح و صعد الجبل و صرخ بأعلى صوته الحرب سجال يوم بيوم بدر أُعْلُ هبل ( صنم الكعبة ) أي ظهر دينك.
ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى : إن موعدكم بدر العام القابل فقال النبي صلى الله عليه و سلم :" قولوا له : هو بيننا و بينكم " ثم سار المشركون إلى مكة و بحث رسول الله صلى الله عليه و سلم عن عمه حمزة فوجده مقبور البطن مجدوع الأنف مصلوم الأذن فقال : لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين منهم ثم أمر أن يسجى عمه ببردته ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى فوضعهم إلى جانب حمزة واحد بعد واحد حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة ثم أمر بحمزة فدفن واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك وقال ادفنوهم حيث صُرِعوا.
وإذا علمت ما تقدم سهل عليك فهم هذه الآيات و ما بعدها مما له صلة بهذه الوقعة الهامة في تاريخ الإسلام و ما فيها من عظة و
عبرة للمسلمين فقد كانت نبراسا لهم في كل حروبهم و أعمالهم في حياة النبي صلى الله عليه و سلم و بعده- إذ علموا أن مخالفة القائد الأعظم لها الآثار و أن كل ما حدث فيها إنما جر إليه الطمع في الغنيمة و جمع حطام الدنيا وهو زائل و عرض مفارق.
المعنى الجملي : بعد أن نهى الله المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين كاشفوهم بالعداوة ثم أعملهم ببغضهم إياهم ثم أمرهم بالصبر و التقوى وأنهم إذا فعلوا ذلك لا يضرهم كيدهم شيئا – ذكرهم في هذه الآيات بوقعة أحد و ما كان فيها من كيد النافقين إذ أذاعوا عن المؤمنين من قالة السوء ما أذاعوا ثم خرجوا معهم وانشقوا عنهم في الطريق و رجعوا بثلث الجيش ليوقعوا الفشل بين صفوفهم و يخذلونهم أمام عدوهم و ما كان من كيد المشركين وتألبهم عليهم و لم يكن لذلك من واق إلا الصبر حتى عن الغنيمة التي طمع فيها الرماة فتركوا موقعهم و إلا تقوى الله ومن أهم دعائمها طاعة الرسول فيما به أمر و عنه نهى و ذكرهم أيضا بما كان يوم بدر من نصرهم على عدوهم على قلتهم إذ جعلوا الصبر جنتهم و تقوى الله عدتهم فأصابوا من عدوهم ما أصابوا و كان لهم الفلج عليهم مما لا يزال مكتوبا في صحيفة الدهر مثلا خالدا لصدق العزيمة و البعد عن مطامع هذه الحياة.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير