ﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

وفي هذه الآيات وما بعدها، يذكرهم بسنن الله و خليفته، وإنما من صار على نهجها أدى به ذلك على السعادة، ومن حاد عنها ضل، وكانت عاقبته الشقاء و البوار و أن الحق لابد أن ينظر على الباطل مهما كانت له أول الأمر من صولة كما وعد الله بذلك على السنة رسوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ( الصافات ١٧١-١٧٣ ) و قال وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ( الأنبياء ١٠٥. ).
بيان أن إيضاح سوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب هدى أي زيادة بصيرة و إرشاد إلى طريق الدين القويم، والموعظة ما يلين القلب و يدعو إلى التمسك بما فيه طاعة.
هذا بيان للناس و هدى و موعظة للمتقين : أي هذا الذي تقدم بيان للناس كافة و هدى و موعظة للمتقين منهم خاصة، فالإرشاد عام للناس و حجة على المؤمن و الكافر التقي منهم و الفاجر.
و ذلك يدحض ما وقع للمشركين و المنافقين من الشبهة بنحو قولهم : لو كان محمد رسولا حقا لما غلب في وقعة أحد، فهذا الهدي و البيان يرشد إلى أن سنن الله حاكمة على الأنبياء و الرسل، كما هي حاكمة على سائر خلقه، فما من قائد يخالفه جنده و يتركون حماية الثغر الذي يؤتون من قبله، و يخلون بين عدوهم و بين ظهورهم، و العدو مشرف عليهم، إلا كان جيشه عرضة للانكسار، و إذا كر العدو عليه –قطع خط الرجعة –و لا سيما إذا كان بعد فشل و تنازع، و من ثم كان هذا البيان لجميع الناس كل على قدر استعداده للفهم و قبول الحجة.
و أما كونه هدى و موعظة للمتقين خاصة، فلأنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقائق، و يتعظون بما ينطبق عليها من الوقائع فيستقيمون و يسيرون على النهج السوي، و يتجنبون نتائج الإهمال التي تظهر لهم مضرة عاقبتها. فالمؤمن حقا هو الذي يهتدي بهدي الكتاب، و يسترشد بمواعظه، كما قال : ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ( البقرة : ٢ ) فالقرآن يهدينا في مسائل الحرب و التنازع مع غيرنا إلى نروز أنفسنا، و نعرف كنه استعدادنا لكونه على بصيرة من حقنا، فنسير على سنن الله في طلبه و في حفظه، و أن نعرف كذلك حال خصمنا و نضع الميزان بيننا و بينه، وإلا كنا غير مهتدين و لا متعظين.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير