٢٨٧- فيه أسئلة : " إن كان " هل هي ناقصة أو تامة أو زائدة ؟ وهل تقبل هذه الأقسام كلها أم لا تقبل إلا الناقصة ؟ وهل يتعين أن تكون " إن " وما بعدها خبرا، أم يجوز أن تكون اسما ؟ وهل أحدهما أرجح أم لا ؟ وما المستثنى وما المستثنى منه في المعنى ؟ وما الفرق بين الذنب والإسراف ؟ وما الفرق بين تثبيت القدم والنصر على الكفار ؟ وهل ذلك تأكيد أم إنشاء ؟.
الجواب : أما " كان " فعلى قراءة الجمهور بنصب " قولهم " الأول، فيتعين أن تكون ناقصة، وخبرها مقدم على اسمها.
وقرأ جماعة من القراء بالرفع في " قولهم "، فعلى القراءة يحتمل أن تكون " كان " تامة، ويكون " قولهم " المرفوع فاعلا بها، ويكون " أن قالوا " في موضع نصب على الحال تقديره : " ما وجد قولهم إلا في هذه المقالة ". أي : " ما وجد قولهم إلا كائنا في أن قالوا "، ثم حذف حرف الجر من " أن ".
ويختلف النحاة في " أن " بعد حذف " من " منها، هل هي في موضع نصب على قاعدة حذف حرف الجر في مثل قوله تعالى : واختار موسى قومه سبعين رجلا ١ ومنهم من يقول : هي في موضع جر، وأن هذا من خصائص " أن " و " أن ".
ويحتمل أن تكون " كان " على هذه القراءة أيضا ناقصة، و " أن " وصلتها في موضع نصب على خبر " كان "، ويجوز على هذه القراءة أن تكون زائدة أيضا، ويكون التقدير : " ما قولهم إلا أن قالوا ".
فهذه الاحتمالات إنما تأتي على هذه القراءة.
أما مع النصب فيتعذر إلا الناقصة، لأن الحال لا تتقدم على " أن " والزائدة يتعين معها الرفع، والتقدير النصب. وأما إضمار اسمها فيها بمعنى الشأن أو القصة فيتعذر لأجل " إلا "، فإن ما بعد ضمير الشأن يتعين تفسيره بجملة، ومتى كان ما بعدها جملة مفسرة لذلك الضمير بطل معنى " إلا "، فلا يتصور ضمير الشأن.
والمختار عند النحاة نصب الأول على الخبر وهي قراءة الجمهور بسبب قاعدة، وهي أن اسم " كان " ينبغي، أن يكون أعرف من خبرها، ولا يكون الخبر أعرف من الاسم. قالوا : و " قولهم " الأول يمكن أن ينعت، فنقول : " ما كان قولهم السابق أو الأول أو الحسن إلا أن قالوا ".
و " أن " وما بعدها لا يقبل النعت فأشبه المضمرات من هذا الوجه، والضمير أعرف من المضاف للمضمر، والمشابه للأعراف مقدم على غيره فقدم " أن " وما بعدها للاسمية على " قولهم "، وجعل " قولهم " هو الخبر.
هذا توجيه قراءة الجمهور، وأما القراءة الأخرى أن " أن " وما بعدها في تأويل المصدر المضاف تقديره : " ما كان " قولهم " ألا " قولهم : " ربنا ". فقد استويا وبطل رجحان الأول، بل يترجح أن يكون الأول أعرف ؛ لأنه اسم معرفة بالإضافة بغير مراء.
وأما " أن " وما بعدها فهي اسم بالتأويل والتقدير. وهو في اللفظ جملة فعلية. والأصل في الجملة أن تكون نكرة، بدليل أنا ننعت بها النكرة، وتقع حالا بعد المعرفة.
وأما المستثنى والمستثنى منه : فإن الاستثناء هاهنا من المحال، وتقريره : أن القول أمر كلي يتصور أن يقع في الخير والشر، والطاعة والمعصية ويتشخص في مجال من جزئيات القول لا تتناهى، كما يتشخص مفهوم الإنسان الكلي في زيد وعمر، وغيرهما من الأشخاص التي لا نهاية لها.
والقاعدة : أن كل أخص فهو محل لأعمه، والأعم الكلي حال في جميع جزئيات الأقوال إلا في هذا القول الجزئي. فاستثني هذا المحل الجزئي من جميع المحال الجزئية، وحكم على ما عداه بالنفي وعليه بالثبوت.
فالمستثنى والمستثنى منه كلها محال " القول " المضاف إليهم، غير أن بعضها منفي، وبعضها ثابت، كقولك : " ما قام أحد عاقل إلا زيد "، فالجميع عقلاء، غير أن زيدا هو القائم وحده وما عداه نفي القيام عنه. كذلك هاهنا، ويكون الاستثناء متصلا من الجنس. فاعلم ذلك فإن هذه أغوار يعز تحريكها وتلخيصها.
والفرق بين الذنب والإسراف : أن الإسراف أعظم جناية من الذنب، فيكون الإسراف يتناول الكبيرة والذنب الصغيرة، فسألوا مغفرة الأمرين. قال الضحاك٢ وابن عباس : هما مترادفان للتأكيد وأما قولهم : ثبت أقدامنا فيحتمل أن يكون مرادفا لما قبله من طلب المغفرة، فيصير معناه : " ثبت أقدامنا على طاعتك "، ويكون تثبيت القدم على هذا التقدير مجازا على سبيل الاستعارة كقوله تعالى : لهم قدم صدق عند ربهم ٣.
ويحتمل أن يكون في معنى ما بعده من النصر على الكفار، فيلزم معناه : ثبت أقدامنا في الحرب حتى لا ننهزم، ورتب لنا على ذلك النصر. فإن ثبوت القدم سبب للنصر عادة، كما أن الهزيمة سبب للخذلان عادة. وعلى هذا التقدير يكون إنشاء لا تأكيدا. ( نفسه : ١٧١ إلى ١٧٤ )
٢ - هو الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني، أبو القاسم: مفسر (ت : ١٠٠ هج) ن : ميزان الاعتدال : ١/٤٧١. الأعلام : ٣/٢١٥. تهذيب التهذيب : ٤/٤٥٣..
٣ - سورة يونس : ٢..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي