ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ

المعنى الجملي : لا يزال الحديث مع من شهد أحدا من المؤمنين، فقد أرشدهم الله في الآيات السالفة إلى أنه لا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأن ما أصابهم من المحنة و البلاء جار على سنن الله في خليقته من مداولة الأيام بين الناس، و فيه تمحيص لأهل الحق، فإن الشدائد محك الأخلاق، و فيه هدي و إرشاد و تسلية للمؤمنين حتى يتربوا على الصفات التي ينالون بها الفوز و الظفر في جميع أعمالهم.
و هنا أبان لهم أن سبيل السعادة في الآخرة منوط بالصبر الجهاد في سبيل الله، كما أن طريق السعادة في الدنيا يكون بإقامة الحق و سلوك طريق الإنصاف و العدل بين الناس فسنة الله هنا كسنته هناك.
و ثبت أقدمنا : أي حين الجهاد أعدائك بتقوية قلوبنا و إزالة الخواطر الفاسدة من صدورنا.
و بعد أن بين سبحانه مفاخر أفعالهم أردفها بمحاسن أقوالهم فقال :
وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لا ذنوبنا و إسرافنا في أمرنا و ثبت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين أي إن هؤلاء الربيين لم يكن لهم من قول عند اشتداد الخطوب و نزول الكوارث إلا الدعاء لربهم بأن يغفر لهم بجهادهم ما كانوا ألموا به من الذنوب و تجاوزوا فيه حدود الشرائع و أن يثبت أقدامهم على الصراط القويم الذي هداهم إليه حتى لا تزحزحهم الفتن و لا يعروهم الفشل و الوهن حين مقابلة الأعداء و أن ينصرهم على القوم الكافرين الذين يجحدون الآيات و يعتدون على أهل الحق فلا يمكنونهم من إقامة ميزان القسط فما النصر إلا من عند الله يؤتيه من يشاء بمقتضى السنن التي هدى إليها خلقه و ألهمها عبادة.
و في هذا إيماء إلى أن الذنوب و الإسراف في الأمور من عوامل الخذلان و الطاعة و الثبات و الاستقامة من أسباب النصر و الفلاح و من ثم سألوا ربهم أن يمحو من نفوسهم إثر الذنوب و أن يوفقهم إلى دوام الثبات تزل الأقدام و قد قدموا طلب المغفرة من الذنوب على طلب النصر ليكون الدعاء في حيز القبول فإن الدعاء المقرون بالخضوع و الطاعة الصادر عن زكاء و طهارة إلى الاستجابة.
و في طلبهم النصر من الله من كثرة عددهم التي دل عليها قوله : ربيون كثير } إعلام بأنهم لا يعولون على كثرة العدد بل يطلبون العون و المدد الروحاني من الله بثبات الأقدام و التمسك بأهداب الحق.
كما أن ذكر قولهم هذا دون ذكر ما فيه جزع و خور – تعريضا بأولئك المنهزمين من المسلمين يوم أحد.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير