ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

المعنى الجملي : كان الكلام فيما مضى في التحريض على بذل النفس في الجهاد في سبيل الله بذكر ما يلاقيه المجاهدون من الكرامة مند ربهم في جنات النعيم.
و هنا شرع يحث على بذل المال في الجهاد – و المال شقيق الروح – فذكر أشد أنواع الوعيد لمن يبخل بماله في هذه السبيل و أرشد إلى أن المال ظل زائل وأن مدى الحياة قصير و أن الوارثين و الموروثين سيموتون و يبقى الملك لله وحده.
ثم ذكر مقالة لليهود قد قالوها ثم كذبهم فيها ثم سلى رسوله و أبان له أن تكذيبهم لك ليس ببدع منهم بل سبقوا من قبل بمثله من الأنبياء السابقين.
سنكتب ما قالوا : أي سنعاقب عليه و لا نهمله و نقول ذوقوا عذاب الحريق أصل الذوق وجود الطعم في الفم ثم استعمل في إدراك سائر المحسوسات و الحريق المحرق المؤلم و عذاب الحريق : أي عذاب هو الحريق أي سننتقم منهم
لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير و نحن أغنياء أي سمع الله قول هؤلاء الكافرين الذين قالوا هذه المقالة و لم يَخْفَ عليه و سيجزيهم عليه أشد الجزاء.
وهذا أسلوب يتضمن التهديد و الوعيد كما يتضمن البشارة و الوعد بحسن الجزاء في نحو –سمع الله لمن حمده –و يتضمن مزيد العناية و إرادة الإغاثة و إزالة الشكوى في نحو قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ( المجادلة : ١ ) إذ سمع الله لعباده يراد به مراقبة لهم في أقوالهم و يلزم من ذلك المعاني التي ذكرناها آنفا.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى : مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا ( البقرة : ٢٤٥ ) فقالوا يا محمد : أفقير ربك يسأل عباده القرض نحن أغنياء ؟ فأنزل الله لقد سمع الله الآية.
سنكتب ما قالوا أي سنعاقبهم على ذلك عقابا لا شك فيه إذ يلزم من كتابة الذنب و حفظه العقوبة عليه و هذا استعمال شائع في اللغة.
وقتلهم الأنبياء بغير حق أي قتل سلفهم لهم و إنما نسبه إليهم للإشارة إلى أنهم راضوان بما فعلوه.
وهذا يدل على أن الأمم متكافلة في الأمور العامة و يجب على أفرادها الإنكار على من يفعل المنكر و تغييره أو النهي عنه لئلا يفشو فيها فيصير خلقا من أخلاقها و عادة مستحكمة فيها فتستحق العقوبة في الدنيا بالضيق و الفقر و العقوبة في الآخرة بتدنيس نفوسها و أن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم و يطبقه على أحكام الشريعة فيستحسن منها ما تستحسنه و يستهجن ما تستهجنه –عد شريكا له في إثمه و مستحقا لمثل عقوبته.
و نقول ذوقوا عذاب الحريق أي سننتقم منهم و نقول لهم هذه المقالة.
ذاك أنهم لما قالوا ما قالوا و قتلوا من الأنبياء من قتلوا فقد أذاقوا المسلمين و أتباع الأنبياء ألوانا من العذاب و أحرقوا قلوبهم بلهب الإيذاء و الكرب فجوزوا بهذا العذاب الشديد و قيل لهم : ذوقوا عذاب الحريق كما أدقتم أولياء الله في الدنيا ما يكرهون.
و الخلاصة : ذوقوا ما أنتم فيه فلستم بمتخلصين منه و هذا قول يلقى للتشفي الدال على كمال الغيظ و الغضب.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير