الله تعالى يجعل في رقابهم طوقا من نار.
قال صلّى الله عليه وسلّم: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة»
«١». والمعنى أنهم عوقبوا في أفواههم وألسنتهم بهذا اللجام لأنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق. وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي له تعالى ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من البخل والسخاء خَبِيرٌ (١٨٠) فيجازيكم عليه أو فيجازيهم عليه.
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا أي فنحاص بن عازوراء- كما قاله ابن عباس والسدي- أو حيي بن أخطب- كما قاله قتادة- أو كعب بن الأشرف كما نقله ابن عساكر.
روي أنه صلّى الله عليه وسلّم كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا فقال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حتى سألنا القرض.
فلطمه أبو بكر في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك. فشكاه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنكر ما قاله فنزلت هذه الآية تصديقا لأبي بكر رضي الله عنه والجمع حينئذ مع كون القائل واحدا لرضا الباقين بذلك:
إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ محتاج يطلب منا القرض وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ولا نحتاج إلى قرضه سَنَكْتُبُ ما قالُوا أي من العظيمة الشنعاء في صحائف الحفظة ليقرأوا ذلك يوم القيامة أو سنحفظه ونثبته في علمنا لا ننساه ولا نهمله، أو المراد سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق إلى يوم القيامة شدة جهلهم وطعنهم في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم بكل ما قدروا عليه وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ في اعتقادهم كما في نفس الأمر أي نكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء بغير جرم. أو المعنى سنحفظ عن الفريقين معا أقوالهم وأفعالهم وَنَقُولُ عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب أو عند الإلقاء في النار ويحتمل أن يكون هذا القول كناية عن حصول الوعيد، وإن لم يكن هناك قول.
وقرأ حمزة «سيكتب» بالياء وضمها على لفظ ما لم يسم فاعله وقتلهم برفع اللام ويقول بالياء. والباقون بالنون ونصب اللام من قتلهم. وقرأ الحسن والأعرج «سيكتب» بالياء وبالبناء للفاعل ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) أي المحرق ذلِكَ أي العذاب المحرق بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي بسبب ما اقترفتموه من التفوه بتلك العظيمة وغيره من المعاصي وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم. الَّذِينَ قالُوا نصب على الذم أو جر نعتا ل «الّذين» الأول. أي لقد سمع الله قول الذين قالوا.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في حق كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا، وزيد بن التابوت، وفنحاص بن عازوراء، وحيي بن أخطب وغيرهم، أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتابا وقد عهد الله إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ويكون لها دوي خفيف تنزل من السماء، فإن جئتنا بهذا صدقناك فنزلت هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا في الكتاب أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ أي لا نصدق أحدا بالرسالة حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ما كان عليه أمر أنبياء بني إسرائيل حيث كان يقرب بالقربان من النعم أو من الصدقات- غير الحيوان- فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء أي لا دخان لها ولها دوي، فتأكل القربان أي تحرقه وهذا من أباطيلهم فإن أكل النار القربان لم يجب الإيمان إلا لكونه معجزة، فهو وسائر المعجزات سواء. وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد صلّى الله عليه وسلّم وطلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد ولذلك رد الله عليهم بقوله: قُلْ يا أشرف الخلق قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ أي بالمعجزات الواضحة وَبِالَّذِي قُلْتُمْ وهو القربان الذي تأكله النار فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) في مقالتكم إنكم تؤمنون لرسول يأتيكم بما اقترحتموه فإن زكريا ويحيى وعيسى وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام قد جاءوكم بما قلتم في معجزات أخر فما لكم لم تؤمنوا لهم حتى اجترأتم على قتلهم فَإِنْ كَذَّبُوكَ في أصل النبوة والشريعة فتسل فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ أي المعجزات وَالزُّبُرِ أي الصحف كصحف إبراهيم وموسى وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) أي الواضح وهو التوراة والإنجيل والزبور.
وقرأ ابن عامر «بالزبر» بإعادة الباء كقراءة ابن عباس دلالة على المغايرة. وقرأ هشام «وبالكتاب» بإعادة الباء. والباقون بغير الباء فيهما كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي
كل حيوان حاضر في دار التكليف يذوق الموت. وروي عن الحسن أنه قرأ «ذائقة الموت» بالتنوين ونصب الموت. وقرأ الأعمش بطرح التنوين مع نصب «الموت». وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي وإنما تعطون أجزية أعمالكم على التمام يوم قيامكم من القبور. وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبله كما يدل عليه
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران»
«١» فَمَنْ زُحْزِحَ أي أبعد عَنِ النَّارِ بالتوحيد والعمل الصالح وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ أي نال غاية مقصوده.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أحبّ أن يزحزح عن النار
ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه»
«١». وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) أي ليس ما في الدنيا من النعيم إلا كمتاع البيت في بقائه مثل الخزف والزجاجة وغير ذلك أي إن العيش في هذه الدنيا يغر الإنسان بما يمنيه من طول البقاء وسينقطع عن قريب فوصفت بأنها متاع الغرور لأنها تغر ببذل المحبوب، وتخيل للإنسان أنه يدوم وليس بدائم. قال بعضهم: الدنيا ظاهرها مطيّة السرور وباطنها مطية الشرور.
قال سعيد بن جبير: إن هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة وأما من طلب الآخرة بها فإنها نعم المتاع لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ أي والله لتختبرن في ذهاب أموالكم بالمهلكات كالغرق والحرق وبالتكاليف كالزكاة والجهاد، وفي ما يصيب أنفسكم من البلايا كالأمراض والأوجاع والقتل والضرب ومن التكاليف كالصلاة والجهاد والصبر فيهما.
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً أي ولتسمعن من اليهود والنصارى ومشركي العرب: أنواع الإيذاء من الطعن في الدين الحنيف، والقدح في أحكام الشرع الشريف، وصدّ من أراد أن يؤمن، وتخطئة من آمن وما كان من كعب بن الأشرف وأضرابه من هجاء المؤمنين وتشبيب نسائهم، وتحريض المشركين على مضادة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحو ذلك مما لا خير فيه. وَإِنْ تَصْبِرُوا على تلك البلوى وأذى الكفار وتستعملوا احتمال المكروه ومداراة الكفار في كثير من الأحوال وَتَتَّقُوا أي تحترزوا عما لا ينبغي وعن المداهنة مع الكفار وعن السكوت عن إظهار الإنكار فَإِنَّ ذلِكَ أي الصبر والتقوى مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) أي من حزم أمور المؤمنين وخيرها ومن صواب التدبير. أو المعنى فإن ذلك ذلك مما قد عزم عليكم فيه أي ألزمتم الأخذ به ومما يجب أن يعزم عليه كل أحد لأنه حميد العاقبة. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ أي واذكر وقت أخذه تعالى العهد على علماء اليهود والنصارى لتذكرن الآيات الدالة على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم من التوراة والإنجيل وللناس، ولا تلقوا فيها التأويلات الفاسدة والباطلة.
قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم وأبو عمرو بالغيبة في الفعلين. والباقون بالخطاب فيهما.
فَنَبَذُوهُ أي طرحوا الميثاق وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي فلم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أي الكتاب ثَمَناً قَلِيلًا أي شيئا تافها من الدنيا أي أخفوا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان شيء من الدنيا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) أي بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن فكل من لم يبين الذي للناس وكتم
شيئا منه لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطييب قلوبهم أو لجر منفعة أو لخوف، أو لبخل للعلم دخل تحت هذا الوعيد.
قال صلّى الله عليه وسلّم: «من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار»
«١». وعن محمد بن كعب قال: لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه ولا يحل لجاهل أن يسكت على جهله حتى يسأل. وكان قتادة يقول: طوبى لعالم ناطق ولمستمع واع هذا علم علما فبذله وهذا سمع خبرا فوعاه. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما فعلوا من تحريف نصوص التوراة وتفسيرها بتفسيرات باطلة وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا أي يحبون أن يوصفوا بالدين والفضل والعفاف والصدق. فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ أي بمباعدة مِنَ الْعَذابِ.
وقيل: نزلت هذه الآية في شأن المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث إنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا، ثم كانوا يتوقعون من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يحمدهم على الإيمان الذي لم يكن موجودا في قلوبهم. ولا شك أن هذه الآية واردة في الكفار والمنافقين الذين أمر الله رسوله بالصبر على أذاهم فإن أكثر المنافقين كانوا من اليهود. والأولى إجراء الموصول على العموم فيشتمل على كل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح إعجاب ويود أن يمدحه الناس بما هو عار منه من سداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والإقبال على طاعة الله.
وقرأ حمزة وعاصم والكسائي «تحسبن» و «تحسبنهم» بالتاء الفوقية وكلاهما بفتح الباء، والتقدير: لا تحسبن يا محمد أو أيها السامع أو كلاهما بضم الباء، والخطاب للمؤمنين والمفعول الأول: «الذين يفرحون»، والثاني: «بمفازة». وقوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ تأكيد والفاء مقحمة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء التحتية، وكلاهما بفتح الباء، والفاعل للرسول وبضمها والفاعل من يتأتى منه الحسبان أو بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو، والفاعل هو الموصول والمفعول الأول محذوف، والتقدير ولا يحسبن الذين يفرحون أنفسهم بمفازة من العذاب. ويجوز أن يحمل الفعل الأول على حذف المفعولين معا اختصارا لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما. أي لا يحسبن هؤلاء أنفسهم فائزين أو على أن الفعل الأول مسند للرسول أو لكل حاسب ومفعوله الأول الموصول والثاني محذوف مفعول الفعل الثاني عليه، والفعل الثاني مسند إلى ضمير الموصول، والفاء للعطف لظهور تفرع عدم
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي