٢٩٣- قوله تعالى : وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور : الاستثناء مفرغ لتوسطه بين المبتدأ وخبره.
وفيه أسئلة : كيف صح الإخبار عن الحياة الدنيا بالغرور ؟ والحياة عرض خاص مضاد للموت مباين لحقيقته للغرور، وأحد المتباينين لا يكون خبرا عن الآخر، إذ من شرط المبتدأ والخبر أن يكونا لعين واحة. و " الدنيا " مشتقة من أي شيء ؟ وكيف صح حصر الدنيا في الغرور ؟ وذلك يقتضي أنها لا تتصف بذلك مع أنها مزرعة الآخرة ومعدن لحصول النبوة والرسالة ؛ واكتساب الولاية والسيادة، وفيها تكتسب الدرجات العليا والأحوال السميات والمعاملات والدينيات والأخرويات. وهي دار التشريف بالتكليف، وبذل الأموال والنفس في طاعة الرب سبحانه وتعالى إلى غير ذلك من المزايا الحميدة والآثار الجميلة، وهذا كله يأبى الحصر في الغرور. وما هو المتاع ؟ وما هو الغرور ؟ وما هو المستثنى وما هو المستثنى منه ؟ وفيه ستة أسئلة.
الجواب : أما صحة الإخبار عن الحياة بالمتاع مع تباين الحقائق فلا يصح إلا بأحد أنواع من المجاز أو الحذف، إما نقول : " وما الحياة الدنيا إلا ذات غرور "، فتحذف مضافا من الخبر، أو تحذف من المبتدإ مضافا، تقديره : " وما انتفاع الحياة الدنيا إلا متاع الغرور "، فيتحد المبتدأ والخبر حينئذ. أو نقول : " ما الحياة الدنيا ممتعة غارة "، فتؤول الخبر باسم الفاعل.
والاشتقاق قد يكون من غير المصادر، نحو : " سوف به "، إذا قال له : " سوف- وحاشاه، إذا قال له : حاشاك، واسود الثوب فهو مسود ".
وهذه الأمور ليست مصادر، أو تجعلها نفس الغرور ونفس المتاع الغار على وجه المبالغة، كأنها لغلبة ذلك عليها صارت نفسه. ومنه قولهم : " ما هي إلا إقبال وإدبار " على أحد هذه التأويلات. فهذه طرق أربعة في تصحيح هذا لهذا المبتدأ.
وأما اشتقاق الدنيا : فمن الدنو الذي هو القرب، لأنها الحياة القريبة، وحياة الآخرة هي البعيدة بالنسبة إلينا، وتقدم هذه على تلك، هذا هو المشهور.
ورأيت بعض الفضلاء قال : يحتمل أن يكون مشتقة من الدون الذي هو الرديء الدنيء، ووزنها من الأول أو الثاني : فعلى. أما " دنيا أو دنوى، فهي من الأول من ذوات الياء، ومن الثاني من ذوات الواو " دنوي، ثم أعلت وقلبت واوها ياء.
وأما حصر الدنيا في متاع الغرور فهو مبني على قاعدة، وهي أن الحصر له حالتان : تارة يقع مطلقا لا يلاحظ فيه بعض المتعلقات وبعض الاعتبارات، وتارة نلاحظ فيه بعض الاعتبارات.
وأما المتاع في اللغة فهو ما ينتفع به ويستمتع من أي نوع كان، كما قال الشاعر لما زار غير صاحبه في الفلاة :
وقفت على قبر غريب بقفرة*** متاع قليل من حبيب مفارق
فجعل حصول مقصده من تلك الزيارة متاعا.
وأما الغرور في اللغة، فله معنيان : أحدهما : الخداع، والرجاء الباطل، وما ظهر مبدؤه وخفيت عاقبته الردية. والحياة الدنيا كذلك، فإن أموالها وجاهها وما فيها آيل إلى الزوال، وعاقبته في الغالب الوبال والنكال، ومبدؤه مزخرف مزين يستميل النفوس ويعجبها، وهذا هو التفسير المشهور في الآية عند الجمهور.
وقال عبد الرحمن بن باسط : المعنى الثاني، وهو زاد للراعي، يزود الكف من التمر أو الشيء الحقير من الدقيق أو غيره، يشرب عليه الماء أو اللبن.
وهذا المعنى أيضا مشهود في كلام العرب ومنه قولهم في المثل : " عش ولا تغتر " أي : " لا تجتز بما لا يكفيك ". والحياة الدنيا كذلك شيء حقير بالنسبة إلى الآخرة.
وأما المستثنى والمستثنى منه فجوابه : أن " إلا " لا تنفك بدا عن الإخراج المحقق أو المتوهم كيف كانت في المفرغ أو المشغول أو المتصل أو المنقطع، كما أن " غير " لا تنفك عن الغاية نصبت أو عطفت أو ابتدئ بعدها الكلام، وهاهنا الاستثناء من الصفات والأحوال في المعنى لا في اللفظ، تقديره : " إن الدنيا يتوهم أنه توجد غارة ومسعدة ومبلغة لدار الكرامة ومقربة من الله تعالى إلى غير ذلك من الأحوال المتوهمة والواقعة أيضا ". فقضى على جميع تلك الأحوال بالنفي باعتبار من آثرها، واستثنيت له هذه الحال من أحوالها ومن صفاتها، وإنما سبق هذا الاستثناء هاهنا من جهة أنه مفرغ. ( الاستغناء : ١٧٤ إلى ١٧٨ )
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي