إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب من حجج الله تعالى وعلامات حكمته واقتداره ما بث في الكون من عجائب في إتقانها وعجيب صنعها ما يشهد أن بديع السماوات والأرض سبحانه واحد لا شريك له ولا مثيل له، لا ند له ولا ضد، وفي تسخيره هذه المخلوقات لنا ما يحمل كل عاقل على شكر المنعم الذي قدر ويسر، ولعل هذا الإخبار يراد به الطلب فكأنه : تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففي بنيان السماء الذي لم يتشقق، وفي رفعها بدون عمد وفي سعتها ١ وعظيم خلقها وفي علو قدرها وشرف ملئها وفي كواكبها ونجومها وشمسها وقمرها معتبر ومدكر لكل صاحب عقل سليم جوهره ؛ وفي الأرض التي ذللت وبسطت ومهدت وحولت السهل والجبل والماء واليابسة، وضمت أقوات العباد بل ومن ترابها كان جسد آدم عليه السلام وتحت أديمها تغيب عظامنا ورفاتنا، ويوم البعث تشقق عن أجسادنا مصداقا لوعد ربنا : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ٢ في هذا الكوكب الذي باركه الله ذكرى لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ؛ وفي تعاقب الليل والنهار برهان ونعمة، فمن رحمته جعل الليل سكنا وجعل النهار معاشا فتبارك الله أحسن الخالقين ؛ وفي فضل هذه الآيات المحكمات ٣ وردت الأحاديث.
٢ سورة طه الآية ٥٥..
٣ أخرج ابن حبان في صحيحه عن عطاء قال: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله تعالى عليه وسلم، قالت: وأي شأنه لم يكن عجبا ؟ إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال (ذريني أتعبد لربي) فقام فتوضأ ثم قام ليصلي فبكى فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله تعالى لك ما تقدم وما تأخر من ذنبك؟ قال (أفلا أكون عبدا شكورا ولم لا أفعل وقد أنزل الله تعالى علي في هذه الليلة إن في خلق السموات والأرض إلى قوله سبحانه فقنا عذاب النار ثم قال (ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها)..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب