ولما بسط الله الدنيا على اليهود والمشركين، استدراجا، قال بعض المؤمنين : إن أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فأنزل الله تعالى :
لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ
يقول الحقّ جلّ جلاله : لا يغرنك أيها السامع أو أيها الرسول، والمراد : تثبيته على ما كان عليه، كقوله : فلا تطع المكذبين ، أي : دم على ما أنت عليه من عدم اغترارك بظاهر ما ترى عليه الكفار من البسط في الدنيا، والتقلب فيها بالتجارات والزراعات، وما هم عليه من الخصب ولين عيش، فإن ذلك متاع قليل بلغة فانية، ومتعة زائلة، وظلال آفلة، وسحابة حائلة. قال صلى الله عليه وسلم :" ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلاَّ مِثْلُ ما يَجْعَلُ أَحَدُكُم إصْبَعَهِ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُر بِمَ يَرْجِعَ ". فلا بد أن يرحلوا عنها قهراً،
قال أنس رضي الله عنه : دَخلتُ علَى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهُو على سَرِير مرفل بالشريط - أي : مضفور به - وتحت رَأسِهِ وسَادَةٌ من أَدَم، حَشْوُهَا لِيفٌ، فدخل عليه عمر، وانحرف النبيّ صلى الله عليه وسلم انحرافة، فرأى عمر أثر الشريط في جَنْبِهِ، فَبكَى، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم :" ما يُبْكِيكَ يا عمر " ؟ فقال : مَالِيَ لا أبْكِي وكِسْرى وقَيْصَرُ يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم :" يا عمر أمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لهُم الدُّنيا وَلَنا الآخرَةُ ". رواه البخاري.
وانظر ما أعدّ الله للمتقين الأبرار، الذين صبروا قدر ساعة من نهار، فأفضوا إلى جوار الكريم الغفار في دار القرآن، وما عند الله خير للأبرار ، ولاسيما العارفين الكبار. قال الورتجبي : بيِّن الحق - تعالى - رفعة منزل المتقين في الجنان، ثم أبْهم لطائف العناية بقوله : وما عند الله خير للأبرار أي : ما عنده من نعيم المشاهدة، ولطائف القربة، وحلاوة الوصلة، خير مما هم فيه من نعيم الجنة، وأيضاً : صرح في هذه الآية ببيان مراتب الولاية، لأنه ذكر المتقين، والتقوى : تقديس الباطن عن لوث الطبيعة، وتنزيه الأخلاق عن دنس المخالفة، وذلك درجة الأولى من الولاية، والأبرار أهل الاستقامة في المعرفة، وبين أن أهل التقوى في الجنة، والأبرار في الحضرة. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي