إن الله اصطفى افتعال من الصفوة وهي الخالص من كل شيء يعني اختار لنفسه ولمحبته ورسالته آدم أبا البشر عليه السلام حتى أسجد له ملائكته وأسكنه في جنته وأخرج من ذريته الأنبياء كلهم وهو أول النبيين المصطفين ونوحا حين اختلف الناس وصاروا كفارا بعد ما كانوا على شريعة الحق ودين آدم عليه السلام فاختاره الله تعالى على من سواه، أهلك الكفار كلهم بدعائه وجعل ذريته هم الباقين وآل إبراهيم وآل عمران قيل أراد بآل إبراهيم وآل عمران أنفسهما كما في قوله تعالى : وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ١ يعني موسى وهارون، وقال آخرون : أراد بآل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وسائر أنبياء بني إسرائيل ومحمدا صلى الله عليه وسلم. وأما عمران فقال مقاتل هو عمران بن يصهر بن قامت بن لاوى بن يعقوب والد موسى وهارون، وقيل عمران بن ماثان من أولاد سليمان بن داود عليهما السلام والد مريم أم عيسى، وقال الحسن ووهب كذلك لكنهما قالا : أبو مريم عمران بن أشهم بن أمون من أولاد سليمان بن داود وبين عمرانين ألف وثمانون سنة وقيل ألف وثمان مائة سنة، والظاهر أن المراد بآل عمران هاهنا عمران أبو مريم للدلالة سياق الكلام عليه فإن قوله تعالى : إذ قالت امرأة عمران ٢ واقع في مقام البيان لما سبق من الاصطفاء، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء والرسل كانوا كلهم أو أكثرهم من نسلهم على العالمين ٣٣ إن كان ما ذكر شاملا لنبينا صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام كما هو شامل لموسى وعيسى فاصطفاؤهم على العالمين أجمعين ظاهر وبه يستدل على أفضلية خواص البشر على خواص الملائكة، وإلا فالمراد بالعالمين عالمي زمانهم، قال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما قالت اليهود نحن أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونحن على دينهم فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني أن الله اصطفى هؤلاء بالإسلام وأنتم على غير دين الإسلام، وقال البيضاوي : لما أوجب طاعة الرسل وبيّن أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك بيان مناقبهم تحريضا عليها، وقال بعض الأفاضل : لما أمرهم بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم وجعل متابعته سببا لمحبة الله وعدم إطاعته سببا لسخطه وسلب محبته أكد ذلك بتعقيبه بما هو عادة الله تعالى من اصطفاء أنبيائه على مخالفيهم ورفعهم وتذليل أعدائهم وإعدامهم تخويفا للمتمردين عن المتابعة، فذكر اصطفاء آدم على من عداه حتى جعله مسجودا للملائكة ولعن عدوه إبليس واصطفاء نوح على أعدائه كفار أهل الأرض أجمعين حتى أهلكهم بالطوفان : وجعلنا ذريته هم الباقين ٣ واصطفاء آل إبراهيم على العالمين مع أن العالم كانوا كلهم كافرين في زمن إبراهيم حتى جعل دينهم شائعا وذلّل مخالفيهم، واصطفاء موسى وهارون حتى ألقي السحرة ساجدين وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم أحد مع كثرتهم، قلت : وجعل متابعي عيسى عليه السلام بعد رفعه إلى السماء مع كونهم مغلوبين بالكلية غالبين إلى يوم القيامة حيث قال : وجاعل الذين اتّبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ٤ ولذا خص آدم ونوحا والآلين ولم يذكر إبراهيم ونبينا سيد المرسلين إذ إبراهيم لم يغلب على العالم بالكلية، وهذا الكلام لبيان أن نبينا صلى الله عليه وسلم سيغلب والله أعلم.
٢ سورة آل عمران، الآية: ٣٥.
٣ سورة الصافات، الآية: ٧٧.
٤ سورة آل عمران، الآية: ٥٥.
التفسير المظهري
المظهري