ثم ذكر الحق تعالى بيان نشأة عيسى عليه السلام، وبيان أصله ونشأة أمه، توطئة للكلام مع النصارى والرد عليهم في اعتقادهم فيه. وقال البيضاوي : لما أوجب الله طاعة الرسل، وبيَّن أنها الجالبة لمحبة الله، عقَّب ذلك ببيان مناقبهم تحريضاً عليها فقال :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
يقول الحقّ جلّ جلاله : إن الله اصطفى آدم ؛ بالخلافة والرسالة، ونوحاً ؛ بالرسالة والنِّذَارة، وآل إبراهيم ؛ بالنبوة والرسالة، وهم : إسحاق، ويعقوب والأسباط، وإسماعيل، وولده سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة والمحبة الجامعة. وآل عمران ، وهم موسى وهارون - عليهما السلام - وهو عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب، أو المراد بعمران : عمران بن أشهم بن أموي، من ولد سليمان عليه السلام، وهو والد مريم أم عيسى عليه السلام، وقيل : المراد عمران بن ماثان، أحد أجداد عمران والد مريم. وإنما خصّ هؤلاء ؛ لأن الأنبياء كلهم من نَسْلهم. وقيل : أراد إبراهيم وعمران أنفسهما. " وآل " مقحمة، كقوله : وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَارُونَ [ البَقَرَة : ٢٤٨ ] أي : موسى وهارون، فقد فضل الحقّ - جلّ جلاله - هؤلاء الأنبياء بالخصائص الجسمانية والروحانية على العالمين أي : كلاً على عَالَمِي زمانه، وبه استدلّ على فضلهم على الملائكة. حال كونهم ذرية بعضها من بعض .
الإشارة : إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، إنما اصطفى الحق تعالى هؤلاء الرسل ؛ لكونهم قد أظهروا الدين بعد انطماس أنواره، وجددوه بعد خمود أسراره، هم أئمة الهدى ومقتبس أنوار الاقتداء، فكل من كان على قدمهم من هذه الأمة المحمدية، بحيث يجدد للناس دينهم، ويُبين للناس معالم الطريق وطريق السلوك إلى عين التحقيق، فهو ممن اصطفاه الله على عالمي زمانه.
وفي الحديث :" إنَّ الله يَبْعَثُ عَلَى رَأسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لهذه الأمة دِينَهَا ". قال الحريري :( مات الحسن البصري عشية جمعة - أي : بعد زوالها - فلما صلّى الناس الجمعة حملوه، فلم يترك الناس صلاة العصر في مسجد الجماعة بالبصرة منذ كان الإسلام، إلا يوم مات الحسن، واتبع الناس جنازته، فلم يحضر أحد في المسجد صلاة العصر، قال : وسمعت منادياً ينادي : إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، واصطفى الحسن على أهل زمانه. قلت : والحسن البصري هو الذي أظهر علم التصوّف، وتكلم فيه وهذبه. قال في القوت : وهو إمامنا في هذا العلم - يعني علم التصوف.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي