ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله إن الله اصطفى يعني اختار من الناس لرسالته آدم ونوحا وآل إبراهيم يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وآل عمران على العالمين يعني اختارهم للنبوة والرسالة على عالمي ذلك الزمان. فهم ذرية بعضها من بعض، فكل هؤلاء من ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم إذ قالت امرأة عمران بن ماثان واسمها حنة بنت فاقوذ، وهي أم مريم رب إني نذرت لك ما في بطني محررا وذلك أن أم مريم حنة كانت جلست عن الولد والمحيض، فبينما هي ذات يوم في ظل شجرة إذ نظرت إلى طير يزق فرخا له، فتحركت نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولدا، فحاضت من ساعتها، فلما طهرت أتاها زوجها، فلما أيقنت بالود قالت : لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محررا. وبنو ماثان من ملوك بني إسرائيل من نسل داود. والمحرر لا يعمل للدنيا، ولا يتزوج، ويتفرغ لعمل الآخرة. يعبد الله تعالى، ويكون في خدمة الكنيسة، ولم يكن محررا في ذلك الزمان إلا الغلمان. فقالت لزوجها : ليس جنس من جنس الأنبياء إلا وفيهم محرر غيرنا، وإني جعلت ما في بطني نذيرة تقول : نذرت أن أجعله لله فهو المحرر. فقال زوجها : أرأيت أن كان الذي في بطنك أنثى - والأنثى عورة - فكيف تصنعين ؟ فاغتمت لذلك فقالت عند ذلك رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم يعني تقبل مني ما نذرت لك. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى والأنثى عورة، ثم قالت وإني سميتها مريم وكذلك كان اسمها عند الله وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم يعني الملعون، فاستجاب الله لها، فلم يقربها الشيطان ولا ذريتها عيسى.
قال ابن عباس " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل ولد آدم ينال منه الشيطان يطعنه حين يقع بالأرض بأصبعه لما يستهل، لا ما كان من مريم وابنها لم يصل إبليس إليهما قال ابن عباس : لما وضعتها خشيت حنة أم مريم أن لا تقبل أنثى محررة، فلفتها في الخرقة ووضعتها في بيت المقدس عند القراء، فتساهم القراء عليها لأنها كانت بنت إمامهم، وكان إمام القراء من ولد هارون. أيهم يأخذها فقال زكريا - وهو رأس الأحبار - أنا آخذها وأنا أحقهم بها لأن خالتها عندي - يعني أم يحيى - فقال القراء : وإن كان في القوم من هو أفقر إليها منك ؟ ولو تركت لأحق الناس بها تركت لأبيها ولكنها محررة، غير أن نتساهم عليها فمن خرج سهمه فهو أحق بها، فقرعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي أيهم يكفل مريم يعني أيهم يقبضها فقرعهم زكريا.
وكانت قرعة أقلامهم أنهم جمعوها في موضع ثم غطوها فقالوا لبعض خدم بيت المقدس من الغلمان الذين لم يبلغوا الحلم : أدخل يدك فأخرج قلما منها، فأدخل يده فأخرج قلم زكريا فقالوا : لا نرضى ولكن نلقي الأقلام في الماء فمن خرج قلمه في جرية الماء ثم ارتفع فهو يكفلها. فألقوا أقلامهم في نهر الأردن، فارتفع قلم زكريا في جرية الماء فقالوا : نقترع الثالثة فمن جرى قلمه مع الماء فهو يكفلها. فألقوا أقلامهم، فجرى قلم زكريا مع الماء، وارتفعت أقلامهم في جرية الماء وقبضها عند ذلك زكريا. فذلك قوله وكفلها زكريا يعني قبضها ثم قال فتقبلها ربها بقبول حست وأنبتها نباتا حسنا يعني رباها تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها حتى ترعرعت، وبنى لها زكريا محرابا في بيت المقدس، وجعل بابه في وسط الحائط لا يصعد إليها إلا بسلم.
و كان استأجر لها ظئرا، فلما تم لها حولان فطمت وتحركت، فكان يغلق عليها الباب والمفتاح معه لا يأمن عليه أحدا، لا يأتيها بما يصلحها أحد غيره حتى بلغت ".

الدر المنثور في التأويل بالمأثور

عرض الكتاب
المؤلف

جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي

الناشر دار الفكر - بيروت
سنة النشر 1432 - 2011
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية