و إذ قالت : ظرف لعليم، أو بإضمار اذكر. و محرراً : حال، والتحرير : التخلص، يقال : حررت العبد، إذا خلصته من الرق، وحررت الكتاب، إذا أصلحته وأخلصته، ولم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاح، ورجل حُر، أي : خالص، ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحُر، أي : الخالص من الحمأة.
ثم تخلًّص لذكر نشأة مريم، توطئة لذكر ولدها، فقال : واذكر إذ قالت امرأة عمران وهي حنة بنت فاقوذا، جدة عيسى عليه السلام : ربِّ إني نذرت لك ما في بطني محرراً لخدمة بيت المقدس، لا أشغله بشيء، أو مخلصاً للعبادة، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ، وكان المحرر عندهم، إذا حُرر، جُعل في الكنيسة يقوم عليها وينكسها، ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، ثم يُخَيَّر، فإن أحبَّ أقام أو ذهب حيث شاء، ولم يكن يحرر إلا الغلمان ؛ لأن الجارية لا تصلح للخدمة ؛ لما يصيبها من الحيض، فحررت أمُّ مريمَ حمْلَها تَدْرِ ما هو.
وقال القشيري : قوله تعالى : فتقبلها ربها بقبول حسن ، يقال : منَ القبول الحسن أنه لم يطرح كَلَّهَا وشَغْلَهَا على زكريا، فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعاهدها بطعام وجد عندها رزقاً، ليعلَم العالمون أن الله - تعالى - لا يُلقى شغل أوليائه على غيره، ومن خدم وليّاً من أوليائه كان هو في رفق الولي، وهذه إشارة لمن يخدم الفقراء، يعلم أنه في رفقهم، لا أن الفقراء تحت رفقه. هـ. فَلاَ عَمَلٌ مِنِّي إليه اكْتَسَبْتُه سِوَى مَحْضِ فَضْلٍ، لا بشيءٍ يُعلَّلُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي