ولما أخرجه بنو إسرائيل عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهمُّوا بقتله، وتواطؤوا عليه، ومكروا أي : دبروا الحيل في قتله،
ومكر الله بهم، أي : استدرجهم حتى قتلوا صاحبهم، ورُفع عيسى عليه السلام، فالمكر في الأصل : هو حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة. ولا تُسند إلى الله إلا على حسب المقابلة والازدواج : كقوله : يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ النِّساء : ١٤٢ ]، وقوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : ١٥ ]، والله خير الماكرين . أي : أشدهم مكراً، وأقواهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب، أو أفضل المجازين بالعقوبة ؛ لأنه لا أحد أقدر على ذلك منه.
تنبيه : قيل للجنيد رضي الله عنه : كيف رَضِيَ المكرَ لنفسه، وقد عابه على غيره ؟ قال : لا أدري، ولكن أنشدني فلان للطبرانية :
| فديتُك قد جُبِلْتُ على هواكَ | ونفْسِي ما تَحِنُّ إلى سِوَاكَ |
| أُحِبّك، لا بِبَعْضِي بل بكُلِّي | وإن لم يُبْقِ حُبُّكَ لي حِرَاكَا |
| وَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الْفِعْلُ عِنْدي | وتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَ |
قلت : وجه الشاهد في قوله :( وتفعله فيحسن منك ذاك )، ومضمن جوابه : أن فعل الله كله حسن في غاية الإتقان، لا عيب فيه ولا نقصان، كما قال صاحب العينية :
| وَكلُّ قبِيح إنْ نَسَبْتَ لِحُسْنِهِ | أَتَتْكَ مَعَانِي الْحُسْنِ فِيهِ تُسَارعُ |
| يُكَمِّلُ نُقصَانَ الْقَبِيحِ جَمَالُهُ | فَما ثَمَّ نُقْصَانٌ وَلاَ ثَمَّ بَاشِعُ |
الإشارة : يجب على المريد الصادق الذي يطلب دواء قلبه، أن يفر من الوطن الذي يظهر فيه الإنكار، إلى الوطن الذي يكثر فيه الإقرار، يفر إلى من يعينه على نصر الدين من الأبرار المقربين، الذين جعلهم الله حواري الدين، ففي الحديث الصحيح :" خَيْرُ مالِ المُسْلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبَالِ١ يَفِرُّ مِنَ الْفِتَنِ ". فالمؤمن يفر بدينه من شاهق جبل إلى شاهق جبل حتى يدركه الموت، وما زالت الأكابر تفر بنفسها إلى شواهق الجبال، يهربون من حس الدنيا وشغبها، ولا يرافقون إلا من يستعين بهم على ذكر الله، وهم أهل التجريد، الذين اصطفاهم الله لخالص التوحيد، فروا إلى الله فآواهم الله، قالوا : آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون منقادون لما تريد منا، ربنا آمنا بما أنزلت من الأحكام الجلالية والجمالية، قد عرفناك في جميع الحالات، فاكتبنا مع الشاهدين لحضرتك، المنعمين بشهود ذاتك، ومن مكر بنا من القواطع الخفية فَغَيَّبنا عنه بشهود أنوارك القدسية، وانصرنا فإنك خير الناصرين، ولا تدعنا مع مكر الماكرين يا رب العالمين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي