وقوله: (ربنا) متصل بالحكاية عنهم.
وأخبرنا تعالى بذلك لنقتدي بهم في متابعة
النبي - ﷺ - والتضرُّع إلى الله في طلب الثواب كما طلبوه.
قوله عز وجل. (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)
المكر في الأصل: حيلة يُجلب بها الإنسان إلى مفسدة.
وحيلة قد تقال فيما يُجلب به إلى مصلحة، وقد يُقال في ذلك المكر
والخديعة اعتباراً بظاهر الفعل دون المقصد، والحكيم قد يفعل
ما صورته صورة المكر، ولكن قصده المصلحة لا المفسدة، وعلى
هذا سئل بعض المحققين عن مكر الله فأنشد:
ويقبح من سواك الشيء عندي... وتَفْعَلُه فيحسن منك ذاكا
فإذن مكر الله قد يكون تارة فعلًا يُقصد به مصلحة، ويكون تارة
جزاء المكر، ويكون تارة بأن لا يقبِّح مكرهم في عينهم، وذاك
بانقطاع التوفيق عنهم وتزيين ذلك في أعينهم، حتى كأنه زيَّنه في
أعينهم ومكر بهم، ويكون تارة بإعطائهم ما يريدون من دنياهم.
فإذا أعطاهم واستعملوه على غير ما يحب، فكأنه مكر بهم،
واستدرجهم من حيث لا يعلمون.
ولأجله قال: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)
وهذا من المعنى الذي اقتضى الذي قال تعالى:
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)
وقال اِلكلبي: مكرهم كان تدبيرهم في قتل عيسى (وَمَكَرَ اللَّهُ) أنه ألقى شبه عيسى
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار