ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

وقوله: (ربنا) متصل بالحكاية عنهم.
وأخبرنا تعالى بذلك لنقتدي بهم في متابعة
النبي - ﷺ - والتضرُّع إلى الله في طلب الثواب كما طلبوه.
قوله عز وجل. (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)
المكر في الأصل: حيلة يُجلب بها الإنسان إلى مفسدة.
وحيلة قد تقال فيما يُجلب به إلى مصلحة، وقد يُقال في ذلك المكر
والخديعة اعتباراً بظاهر الفعل دون المقصد، والحكيم قد يفعل
ما صورته صورة المكر، ولكن قصده المصلحة لا المفسدة، وعلى
هذا سئل بعض المحققين عن مكر الله فأنشد:

صفحة رقم 587

ويقبح من سواك الشيء عندي... وتَفْعَلُه فيحسن منك ذاكا
فإذن مكر الله قد يكون تارة فعلًا يُقصد به مصلحة، ويكون تارة
جزاء المكر، ويكون تارة بأن لا يقبِّح مكرهم في عينهم، وذاك
بانقطاع التوفيق عنهم وتزيين ذلك في أعينهم، حتى كأنه زيَّنه في
أعينهم ومكر بهم، ويكون تارة بإعطائهم ما يريدون من دنياهم.
فإذا أعطاهم واستعملوه على غير ما يحب، فكأنه مكر بهم،

صفحة رقم 588

واستدرجهم من حيث لا يعلمون.
ولأجله قال: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)
وهذا من المعنى الذي اقتضى الذي قال تعالى:
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)
وقال اِلكلبي: مكرهم كان تدبيرهم في قتل عيسى (وَمَكَرَ اللَّهُ) أنه ألقى شبه عيسى

صفحة رقم 589

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية