إن مثل عيسى يعني شأنه الغريب عند الله كمثل آدم كشأنه ثم فسره، وبين وجه التشبيه فقال خلقه أي صوّر قالبه، يعني آدم من تراب ثم قال له أي لذلك القالب كن بشرا حيا فيكون حكاية عن الحال الماضية أو المعنى قدر خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون وجاز أن يكون ثم لتراخي الخبر عن الخبر دون المخبر، يعني أخبر أولا أنه خلق آدم من تراب ثم أخبر بأنه إنما خلقه بأن قال له كن فكان يعني لم يكن هناك أب ولا أم ولا حمل ولا رضاع ولا فطام، فشأن عيسى في الغرابة شابه شأن آدم من حيث كونه بلا أب فقط وشأن آدم أغرب منه بوجوه : فشبه الغريب بالأغرب وما هو خارق للعادة بالأخرق ليكون أقطع لنزاع الخصم وأحسم لمادة الشبهة. نزلت الآية في وفد نجران لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك تشتم صاحبنا ؟ قال : ما أقول ؟ قالوا : تقول إنه عبد، قال : أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا وقالوا : وهل رأيت إنسانا قط من غير أب ؟ فأنزل الله تعالى لإلزامهم وإقحامهم هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه. وأخرج عن الحسن قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم راهبا نجران فقال أحدهما : من أبو عيسى ؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتعجل حتى يأمره ربه فنزل عليه : ذلك نتلوه عليك إلى قوله من الممترين فإنهم كانوا يعترفون بخلق آدم بغير أب وأم من تراب، وما أجهل النصارى لعنهم الله قالوا هل رأيت إنسانا قط من غير أب، وما تفكروا في أنفسهم أنهم هل رأوا إنسانا تلد شاة أو شاة تلد إنسانا مع اتحاد الجنس في الحيوانية واختلافهما في النوع فكيف حكموا بأن الله الأحد الصمد القديم لذاته الذي ليس كمثله شيء ولد عيسى جسما مخلوقا حادثا يأكل الطعام وينام ويموت بل هو الذي لم يلد ولم يولد ٣ ولم يكن له كفوا أحد ٤ .
( فائدة ) : في هذه الآية دلالة على حجية القياس، لأن الله سبحانه نبه على الحكم بجواز خلق عيسى من غير أب قياسا على خلق آدم.
التفسير المظهري
المظهري