وتلاوته: إنزاله، ويجوز أن تُجعل تلاوة جبريل والنبي - ﷺ - وأوليائه تلاوة لمّا كان بأمره، فأفعال أوليائه قد تنسب إليه، كقوله
عز وجل: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا).
وقوله في موضع آخر: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ).
قوله عزِ وجل: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)
لما ذكر تعالى مكان عيسى من الفضيلة، وما آتاه من المنزلة.
كَذَّبَ النصارى فيما ادعوه من بنوته،
وبيّن كيفية خلقه من غير ذكر.
إن قيل: كيف يكون عيسى مثل آدم وآدم لم يضمّه رحِم؟
قيل: إن ذلك تكذيب للنصارى فيما ادعوه.
وذلك أن أهل نجران قالوا: ما رأينا ابناً بلا أب؟
فأنزل الله ذلك تبيينا: أن ليس أمر عيسى بأعجب من أمر آدم.
إذ هو لم يُخْلق من ذكر ولا أنثى وعلى نحوه دلّ قوله:
(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ).
إن قيل: لِمَ قال: (عِنْدَ اللَّهِ). أهو يشبهه عند الله دون غيره؟
قيل: عنى بقوله: (عِنْدَ اللَّهِ). في حكمه، وأن ذلك لا يشق عليه كما
لم يشق عليه أن خلق آدم من غير أبوين.
إن قيل: ما معنى قوله:
(كُنْ) بعد أن خلقه من تراب؟
قيل: معناه كن إنسانا حيّا ناطقا، وهو لم يكن كذلك، بل كان دهرًا جسدًا ملقى لا روح فيه.
على ما رُوي في الخبر، ثم جُعل فيه الروح، وجعل كن عبارة
عن إيجاد الصورة التي بها صار الإِنسان إنسانا، وعلى هذا
قال: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
فالمقول له الجسد، وقد تقدم الكلام في كن.
إن قيل: لِمَ قال: (فيكون) ولم يقل فكان؟
قيل: يكون عبارة عن حال كونه، وحكاية الحال هكذا يُخرجُ نحو قولهم: فلان قال أمس كذا فيُفعل به كذا.
إن قيل: لِمَ رُفِعَ يكون ولم يُنصب على جواب الأمر؟
قيل: جواب الأمر يجب أن يكون غيره، نحو: ائتني
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار