وسمَّى الأعشى القصيدَةَ المحكَمةَ: (حكيمةً)؛ فقال (١):
| وغَرِيبَةٍ تأتي المُلوكَ حكيمةٍ | قد قُلتُها ليُقالَ مَنْ ذا قالَها (٢). |
نزلت في وَفْدِ نجران، حين قالوا للنبي - ﷺ -: (وهل رأيت ولدًا من غير ذكرٍ؟)؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية (٥). وقد ذكرنا معنى (المَثَل) فيما تقدم (٦)، وأن المراد به بيان أنَّ سبيلَ الثاني سبيلُ الأول.
فالله تعالى قد ذكر في القرآن قصَّهَ آدَمَ، وإنشاءه إيَّاه من غير والدٍ، ثم دلَّ في هذه الآية على أنَّ سبيلَ الثاني (٧) وهو عيسى، في إنشائِه، وخَلْقِهِ من غير ذَكَرٍ سبيلُ الأول، وهو آدَم.
(٢) البيت، في ديوانه: ١٤٤، "تهذيب اللغة" ١/ ٨٨٥ (حكم)، "اللسان" ٢/ ٩٥١ (حكم). وأراد بـ (الغريبة): القصيدة.
(٣) الواو: زيادة من (د).
(٤) (كمثل آدم): ليست في (ب)، (د).
(٥) ورد هذا السبب بألفاظ مختلفة في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٥، ٤٧١، يرويه عن قتادة، والسدِّي، وابن زيد، ولفظه عن قتادة: (ذُكِر لنا أن سيِّديْ أهل نجران وأسْقُفَّيهم: السيد، والعاقب، لقيا نبي الله - ﷺ - فسألاه عن عيسى، فقالا: كل آدمي له أب، فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله عز وجل فيه الآية (إنَّ مثل عيسى..). وأورده السيوطي في "الدر" ٢/ ٦٦ وزاد في نسبته إلى عبد بن حميد. ووردت روايات أخرى من طرق أخرى في سبب نزول هذه الآية، قريبة من السابقة، انظرها في "تفسير الطبري" ٦/ ٤٦٨ - ٤٧١، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٦٥، "أسباب النزول" للواحدي: ٩٩، "لباب النقول" للسيوطي ٥٢، "الدر المنثور" ٢/ ٦٧.
(٦) انظر: "تفسير البسيط" [البقرة: ٢٦] تحقيق د. الفوزان.
(٧) (الثاني): ساقطة من: (ج).
وفي هذه الآية حجةٌ على من أنكر القياس؛ لأن الله تعالى احتجَّ فيها على المشركين، ولا يجوز أن يدلَّهم إلاَّ بما فيه دليلٌ. فقياس (١) خَلْقِ عيسى من غير ذَكَرٍ، كقياسِ خَلْقِ آدم، بل الشأن فيه أعجب؛ لأنه خُلِقَ من غير ذَكَرٍ ولا أنثى.
وقوله تعالى: عِنْدَ اللَّهِ. أي: في الخَلْق والإنشاء. خَلَقَ عيسى من غير أب، كما خَلَقَ آدمَ من غير أبٍ ولا أُمٍ. وتمَّ الكلام عند قوله: كَمَثَلِ آدَمَ (٢)، وهو جملةُ تامَّةٌ، وتشبيهٌ كاملٌ. ولو اقتصر عليه حصل المراد. قال: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ وهذا ليس بِصِلَه لـ آدَمَ، ولا صِفَةٍ، لأن الصلة للمبهمات (٣)، والصفة للنكرات (٤)، ولكنَّهُ خبرٌ مستأنَفٌ على جهة التفسير لحال آدم (٥).
(٢) ممن قال بأن الوقف تامٌّ: يعقوب، وقال أبو بكر بن الأنباري: إن الوقف هنا: حسنٌ، وليس بتامٍّ ولا كافٍ. انظر كتاب "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري: ٢/ ٥٧٨، "القطع والائتناف" للنحاس ٢٢٦، "منار الهدى" للأشموني: ٦٣.
(٣) لأن (آدم) معرفة، والمعارف لا تُوصل، وإنما الصلات للنكرات. انظر: "معاني القرآن" للفراء: ١/ ٢١٩، "تفسير الطبري" ٣/ ٢٩٦.
(٤) لأن الجُمَل بعد النكرات صفات، و (آدم) مَعْرِفة، ولذا لا تكون الجملة بعده صفة له، لأن الجمل لا تكون إلا نكرة، فلا توصف بها معرفة.
(٥) أي: إنها جملة مفسرة لوجه التشبيه، فلا وجه لها من الإعراب، وهذا الوجه هو الأظهر.
وقيل: إنها في محل نصب على الحال من (آدم)، مع تقدير (قَدْ) معها لتقربه من الحال؛ لأن الفعل الماضي لا تصل بالأعلام إلا إذا أضمر معه (قَدْ)، والعامل فيها معنى التشبيه. وقال أبو البركات بن الأنباري في كتابه "البيان": إنها جملة مفسرة للمَثَلِ، وهي في موضع رفع؛ لأنها خبر لمبتدأ محذوفٍ؛ كأنه قيل: ما =
قال الزجَّاج (١): وهذا كما تقول في الكلام: (مَثَلُك، مَثلُ زيدٍ). تريد: أنك تشبهه في فِعْلٍ، ثم تخبر بقصَّة زيد، فتقول: كذا وكذا.
وقوله تعالى: ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. اختلفوا في المَقُولِ له كُنْ: فالأكثرون (٢): على أنه (آدَمُ)، وعلى هذا يقع الإشكال في لفظ الآية؛ لأنه إنما يقول له: (كُنْ) قبل أن يخلقه لا بعده، وههنا يقول: خَلَقَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ. والجواب:
إنَّ الله تعالى أخبرنا أوَّلًا أنه خلق آدم من غير ذَكَر ولا أنثى، ثم ابتدأ خبرًا آخَرَ، أراد أَنْ يُخبرنا به، فقال: ثم (٣) إني أخبركم أيضًا بعد خبري الأول: أني قلت له كُنْ، فكان، [فجاء] (٤) [(ثم)] (٥) لمعنى (٦) الخبر الذي تقدم، والخبر الذي تأخر في الذِّكْر، لا أن (٧)
(١) في "معاني القرآن" له: ١/ ٤٢٢، نقله عنه بتصرف يسير. والزجَّاج هنا يوضح كيف كانت خَلَقَهُ جملة مفسرة.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٩٦، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٦٥ وقد رواه عن ابن إسحاق، "المحرر الوجيز" ٣/ ١٤٨.
(٣) (ثم): ساقطة من: (ج) و (د).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (د)، وهي كذلك في "الدر المصون" ٣/ ٢٢٠؛ حيث نقل السمينُ الحلبيُّ قولَ الواحدي كاملًا.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، وكذلك هي في "الدر المصون" ٣/ ٢٢٠، ولكن وردت فيه: (بثم).
(٦) في (ج)، (د): (بمعنى).
(٧) في (ب)، (ج)، (د): (لأن) بدلًا من: (لا أن) وكذلك وردت في "الدر المصون" =
الخَلْقَ تقدم على قوله: كُنْ، وهذا كما تقول للرجل: أخبرك أني أعطيتك اليوم ألفا، ثم إني أخبرك [أني] (١) قد أعطيتك (٢) أمس قبلَ هذا ألفا، فـ (أمس) متقدم (٣) لـ (اليوم)، وإنما جاء (ثم)؛ لأن خبَرَ اليومِ متقدمٌ خبرَ (٤) أمس، وجاء خبرُ أمس بعد مُضِيِّ (٥) خبرِ اليوم، ومثله قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الزمر: ٦]، وقد خُلِقت (٦) بعد خلق زوجها، ولكن هذا واقع على الخبر دون الخلق؛ لأن التأويل: أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة؛ لأن حوَّاء أيضًا خُلِقت من ضلعه، ثم إني أخبركم أني (٧) خلقت زوجها منها، ومثل هذا مما جاء في الشعر، قوله:
| قُلْ لِمَن سادَ ثمَّ سادَ أبوهُ | ثم قد سادَ قبلَ ذلك جدُّهْ (٨) |
(١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، (ج)، (د)، "الدر المصون".
(٢) أعطيتك: ساقطة من (د).
(٣) في (د): (متقدما).
(٤) (خبر): ساقطة من: ب.
(٥) في (ب): (فأخبر أمس بفعل مضى).
(٦) في (ج)، (د): (خلقتا).
(٧) في (ب): (أني قد).
(٨) البيت لأبي نواس، وهو في ديوانه: ٤٩٣. وورد البيت غير منسوب، في "غرائب التفسير" للكرماني: ١/ ٢٦٠، "رصف المباني" ٢٥٠، والجني الداني: ٤٢٨، "مغني اللبيب" ١٥٩، "منهج السالك" ٣/ ٩٤، "همع الهوامع" ٥/ ٢٣٦ (١٦٠٥)، "خزانة الأدب" ١١/ ٣٧، ٤٠، "الدرر اللوامع" ٢/ ١٧٣. وقد وردت روايته في =
ومعلوم أن الأبَ متقدم له، والجدَّ متقدم للأب، ولكنه أخبر عن سيادته أولًا، ثم عن سيادة أبيه، ثم عن سيادة جدِّه؛ فالترتيب يعود إلى الخبر، لا إلى الوجود. ويجوز أن يكون المراد: أنه خلقه قالَبًا من تراب، ثم قال له: (كن بَشَرًا)، فيصح النظم (١). وقال بعضهم: المقول له كُنْ: عيسى عليه السلام (٢)، ولا إشكال على هذا.
وفي قوله: ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ، وجهان من التأويل: أحدهما: أن هذا دلالة على أنه تعالى يخلق الشيء من غير نصب ولا تعب؛ لا أنَّه يختلقه بقوله كُنْ؛ لأنه لو أراد خلق شيء وُجد ذلك الشيء، وإن لم يقل له: (كن).
وروايته في الديوان:
| قل لمن ساد ثم ساد أبوه | قبلَهُ ثم قبل ذلك جدُّه |
(١) يعني المؤلف بقوله (فيصح النظم) والله أعلى: أن الذهاب في تفسير الآية إلى هذا الوجه الأخير الذي ذكره يغني عن تمحل إجابة كالتي سبقت في تفسيرها بالوجه الأول، وأنه لا إشكال في لفظ الآية.
(٢) روى أسباط عن السدِّي عن أبي مالك (غزوان الغفاري) أنه قال عن المَعنِيِّ بالآية: (فهو أمر عيسى والقيامة). انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٦٦، وبه قال البغوي في "تفسيره" ٢/ ٤٧، وهذا القول مذكور في "تنوير المقباس" ٤٨. قال الآلوسي: (والضمير المجرور عائد على ما عاد عليه الضمير المنصوب، والقول بأنه عائد على عيسى، ليس بشيء؛ لما فيه من التفكيك الذي لا داعي إليه، ولا قرينة تدل عليه). "روح المعاني" ٣/ ١٨٧. ويعني بـ (الضمير المجرور): الضميرَ في لَهُ، ويعني بـ (الضمير المنصوب): الضميرَ في خَلَقَهُ. وانظر: "البحر المحيط" ٢/ ٤٧٨.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي