ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين * أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم .
روى النسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال " كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ثم ندم فأرسل إلى قومه أرسلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة ؟ فنزلت كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم { إلى قوله { فإن الله غفور رحيم فأرسل إليه قومه فأسلم١ وأخرج مسدد في مسنده عبد الرزاق عن مجاهد قال جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم كفر فرجع إلى قومه فأنزل الله : كيف يهدي الله قوما إلى قوله : غفور رحيم فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث : إنك والله ما علمت لصدوق وإن رسول الله لأصدق منك وإن الله لأصدق الثلاثة : فرجع فأسلم وحسن إسلامه. اهـ من لباب النقول.
وفي روح المعاني : أخرج عبد بن حميد وغيره عن الحسن أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى رأوا نعت محمد في كتابهم وأقروا وشهدوا أنه حق فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك فأنكروه، وكفروا بعد إقرارهم حسدا لعرب حيث بعث من غيرهم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس مثله. وقال عكرمة : هم أبو عامر الراهب والحارث بن سويد في اثني عشر رجلا رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة فنزلت الآية فيهم. قال الألوسي وأكثر الروايات على هذا.
وفي التفسير الكبير ثلاثة أقوال في سبب نزول الآية :
١ ـ عن ابن عباس أنها نزلت في رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل الله فيهم هذه الآية وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله : إلا الذين تابوا .
٢ ـ عنه أيضا أنها نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به قبل مبعثه وكانوا يشهدون له بالنبوة فلما بعث وجاءهم بالبينات كفروا بغيا وحسدا.
٣ ـ نزلت في الحارث بن سويد وتقدم خبره.
أقول : إن الآيات متصلة بما قبلها. وذلك أنه لما بين حقيقة الإسلام وأنه دين الله الذي بعث جميع الأنبياء والذي لا يقبل غيره من أحد، ذكر حال الكافرين به وجزاءهم وأحكامهم. وقد رآها أصحاب أولئك الروايات في سبب نزولها صادقة على من قالوا إنها نزلت فيهم فذهبوا إلى ذلك. وأظهر تلك الروايات وأشدها التئاما مع السياق رواية من يقول إنها نزلت في أهل الكتاب وهو الذي اختاره ابن جرير والأستاذ الإمام وقال إن الكلام من أول السورة معهم.
خالدين فيها أي في اللعنة أي يكونون مطرودين أو مسخوطا عليهم إلى الأبد، أو في أثرها وهو عذاب جهنم : لا يخفف عنهم العذاب الذي هو من لوازمها لأن علته ما تكيفت به نفوسهم الظالمة، وهي معهم لا تفارقهم والشيء يدوم بدوام علته : ولا هم ينظرون من الإنظار وهو التأخير والإمهال.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير