إن الذين كفروا ولم يتوبوا من الكفر حتى وماتوا وهم كفار فلن يقبل يوم القيامة، أدخل الفاء في خبر إن لشبه الذين بالشرط وإيذانا بكون الموت على الكفر سببا لعدم القبول من أحدهم ملء الأرض أي قدر ما يملؤها ذهبا منصوب على التمييز يعني لن يقبل منه ملء الأرض ذهبا فرضنا أنه تصدق به في الدنيا وعدم قبول ما دونها يعلم منه بالطريق الأولى، فإن الإيمان شرط لقبول الصدقات والعبادات بل العبادة لا تكون عبادة إلا بالنية المترتبة على الإيمان والإخلاص ولو افتدى به أي يملأ الأرض ذهبا في الآخرة فرضا لا يقبل منه أيضا، وجاز أن يكون معناه لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا يفتدي به من عذاب يوم القيامة ولو افتدى بمثله معه كقوله تعالى : ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه ١ والمثل يحذف ويراد كثيرا لأن المثلين في حكم شيء واحد، وقيل الواو في ولو افتدى به فائدة مقحمة، والمعنى لا يقبل منه ملء الأرض ذهبا لو افتدى به، وكون لو ها هنا للوصل لا يستقيم لأنه يقتضي كون نقيض الشرط أولى بالجزاء فيكون تقديره لن يقبل من أحدهم ملء الأرض لو لم يفتد به ولو افتدى به كما في قوله تعالى : يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ٢ يعني يضيء لو مسه النار ولو لم تمسسه وقد يوجه بأن المراد من قوله لا يقبل منه أحدهم ملء الأرض ذهبا لا يقبل من فدية أصلا، لأن غاية أن يفتدي ملء الأرض ذهبا وذلك لا يقبل منه فكيف ما هو أقل منه فالمعنى لا يقبل منه فدية أصلا لو لم يفتد بملأ الأرض بل بأقل منه ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم مبالغة في التحذير وإقناط لأن من لا يقبل منه الفداء قلّما يعفى تكرما وما لهم من ناصرين في دفع العذاب ومن مزيدة للاستغراق. عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة : لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به ؟ فيقول : نعم، فيقول : أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي }٣ متفق عليه.
٢ سورة النور، الآية: ٣٥..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: من نوقش الحساب عذب (٦٥٣٨) وأخرجه مسلم في كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا (٢٨٠٥)..
التفسير المظهري
المظهري