قال الحسن (١)، وقتادة (٢)، وعطاء (٣): لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، والله تعالى يقول: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ (٤)، الآية.
وقال ابن الأنباري (٥): لن تُقبل توبتهم التي تقدمت في حال إيمانهم وتصديقهم محمدًا - ﷺ - لأن الله عز وجل لا يَقبَلُ مع الإقامة على الشرك توبَةً متقادمةً (٦)، ولا عَمَلًا حَسَنًا ماضيًا مرجوعًا عنه إلى ضدِّه.
٩١ - قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا إلى قوله: مِلْءُ الْأَرْضِ (مِلْءُ (٧) الشيء): قدر ما يَمْلؤه، وهو اسمٌ يُثَنَّى وُيجمع؛ يقال:
(٢) قوله في "تفسير عبد الرزاق" ١/ ١٢٥، "تفسير الطبري" ٣/ ٣٤٣، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٧٠٢، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٧٠ أ، "النكت والعيون" ١/ ٤٠٨، "زاد المسير" ١/ ٤١٩.
(٣) قوله في "تفسير عبد الرزاق" ١/ ١٢٥، "تفسير الطبري" ٣/ ٣٤٣، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٧٠٢، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٧٠ ب، "زاد المسير" ١/ ٤١٩.
وعطاء -هنا- هو: أبو عثمان، عطاء بن أبي مسلم - (اسمه: مَيْسرة) -، البَلْخي الخراساني. تابعي، مشهور بالعبادة والفتوى والجهاد، والتفسير، صاحب رِحْلَة، قال ابن حجر: (صَدوق، يَهم كثيرا، ويرسل ويدلس). مات سنة (١٣٥ هـ).
انظر: "الجرح والتعديل" ٦/ ٣٣٤، "حلية الأولياء" ٥/ ١٩٣، "الميزان" ٣/ ٤٧٠، "تقريب التهذيب" ٣٩٢ (٤٦٠٠).
(٤) [سورة النساء: ١٨]، وتمامها: حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
(٥) لم أقف على مصدر قوله.
(٦) في (ب): (مقادمة).
(٧) في (ب): (بمثل).
(مِلْءُ القَدَح)، و (مِلآهُ)، و (ثلاثة أملائِهِ) (١). والفرق بين (المِلْءِ) و (المَلْءِ) (٢)، كالفرق بين (الرِّعْي) و (الرَّعْي) (٣).
وانتصب ذَهَبًا على التفسير (٤).
قال المُفضَّل (٥): ومعنى التفسير: أن يكون الكلامُ تامًّا وهو مُبْهَم؛ كقولك: (عندي عشرون)؛ فالعدد (٦) معلوم، والمعدود (٧) مبْهَم.
فإذا قلت: (درهمًا) (٨)، فَسَّرت العددَ. وكذلك إذا قلت: (هو أَحْسَنُ
(٢) في (ب): الملاء والملاء. وهكذا رسمت (مل) في نسخة (ب) فيما سيأتي.
المِلْءُ -بالكسر-: اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ.
والمَلْءُ -بالفتح-: المصدر. (ملأ الشيء، يملؤه مَلْأً).
انظر: (ملأ) في "اللسان" ٧/ ٤٢٥٢، "القاموس" (١٣٣٥).
(٣) في (ب): (والري).
الرِّعي -بالكسر-: الكلأ، والجمع: أرْعاء. والرعي -بالفتح-: المصدر. انظر: (رعى) في "اللسان" ٣/ ١٦٧٦ - ١٦٧٧، "القاموس" (١٢٨٩).
(٤) التفسير -هنا- بمعنى: التمييز، ويقال له - كذلك: التبيين. وكونه منصوبًا على التمييز، هو قول عامة أهل النحو. انظر: "معاني القرآن" للفراء: ١/ ٢٢٥، "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٤٤٢. وذهب الكسائي إلى انه منصوب بنزع الخافض. انظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ٧١ أ، "تفسير القرطبي" ٤/ ١٣١. وقال السمين الحلبي -عن هذا القول-: (وهذا كالأول؛ لأن التمييز مقدر بـ"مِن"). "الدر المصون" ٣/ ٢٠٦.
(٥) من قوله: (قال المفضل..) إلى (ما لا عامل فيه): نقله -بنصه- عن "تفسير الثعلبي" ٣/ ٧٠ ب. وأورده القرطبي في "تفسيره" ٤/ ١٣١.
(٦) في (ب): (العدد)، وفي (ج): (والعدد).
(٧) في (ج): (والمعدوم).
(٨) في (ج): (درهم). وعند الثعلبي: (عشرون درهما).
الناسِ)، فقد أخبرت عن حُسْنِه، ولم يبين (١) في أي شيء هو، فإذا قلت: (وَجْهًا)، أو [(فِعْلًا)] (٢)، فقد بينته، ونصبته [على التفسير، وإنما نصبته] (٣)، لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلما خلا من هذين، نُصِبَ؛ لأن النصب أخفُّ (٤) الحركات، فجعِل لكل ما لا عامل فيه.
وقال سيبويه (٥): انتصب (ذهبًا)؛ لأن الاسم المخفوض قد حال بين الذهب وبين المِلْءِ أن يكون جَرًّا (٦)؛ ومعنى هذا: أنَّ العاملَ (٧) اشتغل بالإضافة في مِلْءُ الْأَرْضِ (٨)، وبما يعاقِبُ الإضافة من النون الزائدةِ في (عشرون درهمًا)، فجرى ذلك مجرى الحالِ في اشتغال العامل بصاحبها (٩)، ومجرى المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل.
(٢) ما بين المعقوفين: غير مقروءة في (أ). وفي (ب): فضلًا. والمثبت من: (ج)، "تفسير الثعلبي".
(٣) ما بين المعقوفين: زيادة من: (ج)، "تفسير الثعلبي".
(٤) في (ب): (أحد).
(٥) لم أقف على موضع قوله في كتابه، وقد ذكره الزجاج في "معانيه" ١/ ٤٤٢.
(٦) في (ب): (خبرا).
(٧) في (ب): (الملاء).
(٨) أي: إننا شغلنا الإضافة بالاسم الذي قبل ذَهَبًا، وهو الأَرْضِ، فانجرت الأَرْضِ بالإضافة، ثم جاء ذَهَبًا فانتصب كما ينتصب الحالُ، أو المفعول إذا جاء من بعد الفاعل.
(٩) في (ج): (لصاحبها). أي: بصاحب الحال، كقولنا: (جاء عبدُ الله راكبًا) فشغلنا الفعل بـ (عبد الله) وهو صاحب الحال فرفعه، فبقيت (راكبًا) ليس لها ما يرفعها ولا ما يجرها، فانتصبت.
وقوله تعالى: وَلَوِ افْتَدَى بِهِ.
قال الفرّاء (١): الواو زائدةٌ، كهي في قوله: وَلِيَكوُنَ مِنَ المُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥]؛ المعنى: لن يُقَبلَ مِن أحَدِهم مِلْءُ الأرضِ ذهبًا، لو افتدى به.
وغَلّطَهُ الزجاجُ وغيرُه (٢)، وقالوا: الواو ههنا للعطف؛ لأن المعنى: لو (٣) عمل مِنَ الخَيْرِ، وقَدَّمَ مِلْءَ الأرضِ ذهبًا؛ يتقرب به الله عز وجل، لم ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذابِ بِمِلْءِ الأرضِ ذهبًا، لم يُقْبَل منه. فالواو دخلت لفعلٍ مُضْمَرٍ، وهو (٤): (القَبُولُ)؛ أي: ولا يُقبل منه لو افتدى به (٥).
قال ابن الأنباري: وهذا آكَدُ في التغليظ عليهم، إذْ كانوا لا يُقبل منهم [مِلْء الأرضِ ذَهَبًا، على جهة الصَّدَقَةِ والتَّقْرُّبِ إلى الله جل وعز، ولا يُقبل منهم] (٦) أيضًا على جهة فِدْيَةٍ (٧).
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٤٤١، "معاني القرآن" للنحاس: ١/ ٤٣٧.
(٣) في (ب): (ولو).
(٤) هو: بياض في (ج).
(٥) انظر: "الكامل" للمبرد: ١/ ٢٧٧، "تفسير الطبري" ٣/ ٣٤٦، "المحرر الوجيز" ٣/ ٢١١.
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
(٧) قال رسول الله - ﷺ -: "يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال له: قد كنت سُئلت ما هو أيسر من ذلك". رواه البخاري في "صحيحه" (٦٥٣٨). كتاب الرقاق، باب: من نوقش الحساب فقد عُذب، ومسلم في "صحيحه" (٢٨٠٥) كتاب: صفات المنافقين، باب: طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا، رقم (٢٨٠٥) وفي لفظه عنده: "قد =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي