نفسه، أو تحريم جاريته مارية القبطية أم إبراهيم على نفسه، فعاتبه الله تعالى في ذلك من تحريم المباح بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ٦٦/ ١] ولم يعاتب يعقوب.
وزعم اليهود أن تحريم الإبل وألبانها هو ملة إبراهيم وشريعة التوراة،
قال أبو روق والكلبي: حين قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنا على ملة إبراهيم» قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كان ذلك حلالا لإبراهيم، فنحن نحلّه» فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه، فإنه كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا، فأنزل الله عز وجل تكذيبا لهم:
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٥]
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)
«١» [آل عمران: ٣/ ٩٣- ٩٥].
والمعنى: كل أنواع المطعومات كانت حلالا لبني إسرائيل إلا ما حرمه إسرائيل على نفسه خاصة، وهو لحوم الإبل وألبانها، من قبل نزول التوراة، وليس في شريعة التوراة شيء من هذا التحريم، وقل لهم يا محمد: فأتوا بالتوراة كتابكم، فاتلوها إن كنتم صادقين في دعواكم، لا تخافون تكذيبها لكم. فكل من افترى على الله الكذب، وادعى ما لم ينزله الله في كتاب، فأولئك هم الظالمون بتحويل الحق وتغييره، والكذب على الله وادعاء تحريمه ما لم يحرمه.
وقل يا محمد أيضا: صدق الله فيما أنبأني به من أني على دين إبراهيم، وأني أولى الناس به، وأنه لم يحرم الله شيئا على إسرائيل قبل التوراة. وإذا كان الأمر كذلك، فاتبعوا ملة إبراهيم التي أدعوكم إليها، وهي الملة الوسط التي لا إفراط فيها ولا تفريط، وما كان إبراهيم من المشركين مع الله غيره.
وفي هذا دليل ظاهر على صحة نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأنه يعلم ما في التوراة، وأنها مؤيدة لما في القرآن، وأن النبي أولى بإبراهيم وملته، لا تختلف عن ملته، فكل من إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام مائل عن الباطل إلى الحق، وما كان حلالا عند إبراهيم فهو حلال عند المسلمين.
واستمر تحريم لحوم الإبل وألبانها عند اليهود استنانا بما فعله يعقوب نفسه، ثم حرم الله عليهم في التوراة بعض الطيبات عقوبة لهم على أفعالهم، قال الله تعالى:
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) [النساء: ٤/ ١٦٠]. وقال سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) [الأنعام: ٦/ ١٤٦].
إن إباحة الطعام وتحريمه في البيان الإلهي يقوم على مبدأ واحد لا يتغير، فما كان طيبا نافعا غير ضار فهو الحلال، وما كان خبيثا ضارا بصحة الإنسان، فهو الحرام، ومن هنا لا يوجد اختلاف بين منهج الإسلام وبين منهج أي دين آخر في التحليل والتحريم، وهذا سبب آخر يدعو البشرية إلى التوافق والتقارب والتآخي والتعاون، والبعد عن موجبات الفرقة والخصام والنزاع، وليس لأمة القرآن من باب أولى إلا أن تتحد مشاعر أبنائها، وتتعاطف مع بعضها، وتترك كل ما يصدع وحدتها ويسيء إلى كرامتها وعزتها.
مكانة البيت الحرام
كان من الطبيعي بعد بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يشتد الحوار بين النبي وبين أهل الكتاب، فإنهم أتباع دين سابق، ولهم أعرافهم وتقاليدهم، فكانوا يثيرون الشبهات مثل شبهة تحريم الإبل وألبانها، ومثل المفاضلة بين بيت المقدس والبيت الحرام.
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي