ثم يقول الحق سبحانه :
الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون٤٨
الحق سبحانه يعطينا هنا مذكرة تفصيلية لعملية حركة الرياح، وسوق السحاب، وإنزال المطر، وكلمة الرياح إذا جمعت دلت على الخير كما في قوله تعالى : وأرسلنا الرياح لواقح... ٢٢ ( الحجر )
أي : تلقح النباتات فتأخذ من الذكر، وتضع في الأنثى، فيحدث الإثمار، ومن عجيب هذه العملية أن ترى الذكر والأنثى في العود الواحد كما في نبات الذرة مثلا، ففي( الشوشة ) أعلى العود حبات اللقاح الذكر، وفي الشعيرات التي تخرج من الكوز متصلة بالحبات توجد أعضاء الأنوثة، ومع حركة الرياح تتناثر حبات اللقاح من أعلى وتنزل على هذه الشعيرات، فتجد الشعيرة التي لقحت تنمو الحبة المتصلة بها، أما الأخرى التي لا يصلها اللقاح فتموت.
ولذلك نلحظ أن العيدان التي في مهب الريح أو ناحية بحرى أقل محصولا من التي تليها، لماذا ؟ لأن الرياح تحمل حبات لقاحها إلى العيدان الأخرى التي تليها، فيزداد محصولها.
فإذا كانت بعض النباتات نعرف فيها الذكر من الأنثى كالنخيل، والجميز مثلا، فأين الذكر والأنثى في القمح، أو في الجوافة، أو في الموز.
ولما درسوا حبوب اللقاح هذه وجدوا أن كل حبة مهما صغرت فيها أهداب دقيقة مثل القطيفة تتناثر مع الرياح، ويحملها الهواء إلى أماكن بعيدة ؛ لذلك ترى الجبال والصحراء تخضر بعد نزول المطر، فمن بذر فيها هذه البذور ؟ إنها الرياح اللواقح بقدرة الخالق عز وجل.
ولنا وقفة عند قوله تعالى : إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره... ٣٣ ( الشورى ) أي : السفن التي تسير بقوة الرياح تظل راكدة على صفحة الماء لا يحركها شيء، فإن قلت : كيف نفهم هذا المعنى الآن مع تقدم العلم الذي سير السفن بقوة البخار والديزل أو الكهرباء، واستغنى عن الرياح ؟
ونقول : الرياح من معانيها الهواء، وهي أيضا تعني القوة مطلقا، كما في قوله تعالى : ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم... ٤٦ ( الأنفال ) أي : قوتكم، فالريح تعني القوة على أي وضع، سواء أسارت بالرياح أو بالآلة، فهو سبحانه قادر على أن يسكنها.
لذلك تجد أن الرياح بمعنى القوة لها قوة آنية، وقوة آتية، آنية يعني الآن، وآتية تأتي فيما بعد، وكذلك كل إنسان وكل شيء في الكون له نفس وريح وكيماوية خاصة به تميزه عن غيره وهذه مهمة كلاب البوليس التي تشم رائحة المتهمين والمجرمين في قضايا المخدرات مثلا، فالشخص له رائحة الآن وهو موجود، وله رائحة تظل في المكان حتى بعد أن يفارقه.
لذلك يعلمنا القرآن أن الريح هو أثبت الآثار في الإنسان، واقرأ في ذلك قوله تعالى عن يوسف ويعقوب عليهما السلام : اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا..... ٩٣ ( يوسف )
وكان يوسف في مصر، ويعقوب في أرض فلسطين، فلما فصلت١ العير بقميص يوسف، وخرج من نطاق المباني التي ربما حجزت الرياح، قال يعقوب إني لأجد ريح يوسف... ٩٤ ( يوسف ) على بعد ما بينهما من المسافات٢.
وإذا أفردت الرياح دلت على الشر، ومعنى الرياح أن تأتي ريح من هنا ريح من هنا.... فتأتيك بالأكسوجين أينما كان، وتحمل إليك عبير العطور في الكون، فهي إذن تأتيك بالفائدة.
وقلنا : إن الأشياء الثابتة اكتسبت الثبات من وجود الهواء في كل نواحيها وجهاتها، ولو فرغت الهواء من ناحية من نواحي إحدى العمارات لانهارت في الحال، كذلك الريح إن جاءت مفردة فهي مدمرة، وفيها العطب كما في قوله تعالى : وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم٤١ ( الذاريات )
وقال : بريح صرصر عاتية ٦ ( الحاقة )
فقوله تعالى : الله الذي يرسل الرياح.... ٤٨ ( الحاقة ) فإرسال الرياح في ذاته نعمة فتثير سحابا... ٤٨ ( الروم ) إثارة السحاب أي : تهيجه وتحركه، وهذه نعمة أخرى.
والسحاب عبارة عن الماء المتبخر من الأرض، وتجمع بعضه على بعض في طبقات الجو، وماء المطر ماء مقطر بقدرة الله، كما نجرى نحن عملية التقطير في المعامل مثلا، فيأتينا المطر بالماء العذب النقي الزلال الذي قطرته لنا عناية الخالق سبحانه دون أن ندري.
وإذا كان تقطير كوب واحد يحتاج إلى كل هذه العمليات، وكل هذه التكلفة، فما بالك بماء المطر ؟
وسبق أن قلنا : إن من حكمة الخالق سبحانه أن جعل ثلاثة أرباع اليابسة ماء لتتسع رقعة البخر ليكفي الربع الباقي، وضربنا لتوضيح ذلك مثلا بكوب الماء حين تتركه على المنضدة مثلا، وحين تسكبه في أرض الغرفة، ففي الحالة الأولى يظل الماء فترة طويلة ؛ لأن البخر قليل، أما في الأخرى فإنه سرعان ما يتبخر.
ثم يقول سبحانه : فيبسطه في السماء كيف يشاء... ٤٨ ( الروم ) وانظر إلى طلاقة المشيئة، فالمطر يصرفه الله كيف يشاء إلى الأماكن التي تحتاج إلى مطر، ومن العجيب أن الله تعالى حين يريد أن يرزق إنسانا ربما يرزقه من سحاب لا يمر على بلده، وانظر مثلا إلى النيل، من أين يأتي ماؤه ؟ وأين سقط المطر الذي يروى أرض النيل من أوله إلى آخره ؟
ومعنى ويجعله كسفا... ٤٨ ( الروم )كسفا، جمع كسفة، وهي القطعة فترى الودق... ٤٨ ( الروم ) المطر يخرج من خلاله.... ٤٨ ( الروم ) أي : من بين هذه السحب.
فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون٤٨ ( الروم ) والإصابة قد تكون مباشرة، فيهطل المطر عليهم مباشرة، وقد تكون غير مباشرة بأن تكون الأرض منحدرة، فينزل المطر في مكان ويسقى مكانا آخر، بل ويحمل إليه الخصب والنماء، كما كان النيل في الماضي يحمل الطمي من الحبشة إلى السودان ومصر.
وكان هذا الطمي يستمر مع الماء طوال مجرى النيل وإلى دمياط، فلماذا لم يترسب طوال هذه المسافات ؟
لم يتسرب قوة دفع الماء وشدة انحداره، بحيث لا يستقر هذا الطمي ولا يترسب.
وقوله : إذا هم يستبشرون٤٨ ( الروم ) لأن الرياح حين تمر عليهم تبشرهم بالمطر، وحين ينزل المطر يبشرهم بالزرع والنماء والخصب والخير، كما قال تعالى : وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج٥ ( الحج )
وأذكر وأنا صغير وبلدنا على النسل، والنيل من أمامها متسع، وبه عدة جزر يزرعها الناس، فأذكر أننا كنا نزرع الذرة، وجاء الفيضان فأغرقه وهو ما يزال أخضر لم ينضج بعد، وكان الناس يذهبون إليه ويجمعونه بالقوارب، ورأيت النساء تزغرد والفرحة على الوجوه، فكنت أسأل أبى رحمه الله : النيل أغرق الزرع، فلماذا تزغرد النساء ؟
فكان والدي يضحك ويقول : تزغرد النساء لأن النيل أغرق الزرع، وهذا هو مصدر الخير، وسبب خصوبة الأرض، فلما كبرت وقرأت قصيدة أحمد شوقي٣ رحمه الله في النيل :
من أي عهد في القرى تتدفق وبأي كف في المدائن تغدق
الماء ترسل فيصبح عسجدا٤ والأرض تغرقها فيحيا المغرق
لما قرأت هذه القصيدة عرفت لماذا كانت النساء تزغرد حين يغرق النيل الزرع.
والاستبشار لنزول المطر يأتي على حسب الأحوال، فإن جاء بعد يأس وقحط وجفاف كانت الفرحة أكبر، والاستبشار أبلغ حيث يأتي المطر مفاجئا إذا هم يستبشرون٤٨ ( الروم ) أما إن جاء المطر في الأحوال العادية فإن الاستبشار به يكون أقل.
٢ للعلماء في تقدير هذه المسافة أقوال:
عن ابن عباس عدة أقوال: مسيرة ثمانية أيام- عشرة أيام- مسيرة ثمانين فرسخا- مسيرة ستة.
وعن الحسن البصري أنها مسيرة شهر.
وعن محمد بن كعب- أنها مسيرة سبعة أيام. (ذكر السيوطي هذه الأقوال في"الدر المنثور في التفسير بالمأثور" (٤/٥٨١)) وعلى قول ابن عباس أنه مسيرة ثمانين فرسخا، يكون معنى هذا أن المسافة هي أكثر من ٤٠٠كيلو متر. على أساس أن الفرسخ ثلاثة أميال على الأقل، والميل ١٧٦٠ مترا. والله تعالى أعلم..
٣ هو: أحمد شوقي بن علي بن أحمد شوقي، أشهر شعراء العصر الأخير، بلقب بأمير الشعراء، ولد ١٨٦٨ م بالقاهرة وتوفى ١٩٣٢ م عن ٦٤ عاما، نشأ في ظل البيت المالك، درس الحقوق واطلع على الأدب الفرنسي، كانت حياته كلها للشعر يستوحيه من المشاهدات والحوادث، اتسعت ثروته وعاش مترفا في نعمة واسعة.(الأعلام للزركلي ١/١٣٧)..
٤ العسجد: الذهب. وقيل: هو اسم جامع للجوهر كله من الدر والياقوت. (لسان العرب – مادة: عسجد)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي