ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ( ١ ) عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ( ٢٠ ) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ( ٢١ ) [ ٢٠ – ٢١ ].
وجه الكلام في الآية الأولى إلى السامعين المخاطبين على سبيل الالتفات فنبهوا إلى ما سخره الله لهم من وسائل وقوى في السماوات والأرض، وما أسبغه عليهم من نعمه الظاهرة والباطنة مما يقع تحت مشاهدتهم الحسية، ويرون آثار أنفسهم وما يحيط بهم، ومما يكفل لهم السلام والقوة والرخاء. ثم أشير إشارة تنديدية إلى الذين يجادلون رغم ذلك في الله ووحدته وعظمته وحقه وحده بالخضوع جدلا لا يستند إلى علم وهدى ولا كتاب. واستمرت الآية الثانية في التقريع بهم، وحكت ما يقولون إذا ما دعوا إلى إتباع ما أنزل الله حيث كانوا يجيبون أنهم يفضلون إتباع ما وجدوا عليه آباءهم. وانتهت الآية بسؤال استنكاري لاذع عما إذا كان هؤلاء يقفون هذا الموقف العنيد، ولو كان الشيطان هو الذي يمليه عليهم ويدفعهم به إلى عذاب السعير في الحقيقة وواقع الأمر.
وفي الآيتين وصل بين أجزاء المشهد الذي بدئ بحكايته في آيات السورة الأول والذي اعترضته آيات لقمان على سبيل الاستطراد وضرب المثل إذا ما أمعن النظر فيها.
وقد روي١ أن الآيتين نزلتا في الحارث بن النضر وآخرين من زعماء المشركين كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صفات الله وشفاعة الملائكة وصلة عقائدهم بالله وكون ما هو عليه وما كان آباؤهم عليه هو الأولى بالإتباع. وروح الآيتين تتسق إجمالا مع الرواية، وتلهم أنهما بسبيل وصف موقف جدل وحجاج مع زعماء الكفار مثل الآيات الأولى من السورة. وكل ما هناك أن تسلسل السياق يلهم أن الآيتين لم تنزلا لحدتهما من أجل هذا الموقف، وإنما احتوتا الإشارة إليه في سياق حكاية مواقف الكفار ومشاهد جدلهم بصورة عامة.
ولذعة الفقرة الأخيرة من الآية الثانية قوية حقا، وفيها صدى للصرخة القوية الجزئية التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوجهها بلسان القرآن إلى الكفار وزعمائهم حينما تنعقد بينهم وبينه مواقف مناظرة أو يحتدم الجدل واللجاج.
تعليق على الحملة القرآنية على التمسك بتقاليد الآباء
والآية التي احتوت حكاية قول الكفار بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا والتنديد بهم فيها بسبب قولهم تأتي بصيغتها لأول مرة. وقد تكرر فحواها مرارا في القرآن المكي والمدني ؛ حيث يدل هذا على شدة تمسك كفار العرب بتقاليد آبائهم واعتبارهم إياها مقدسة واعتبار الدعوة إلى تركها بدعة وعدوانا. ومن المرجح أن الموقف الشديد الذي وقفوه من الدعوة النبوية التي فيها تهديم لكثير من تلك التقاليد متأت من ذلك، أو أن ذلك من أهم أسبابه. ومن تحصيل الحاصل أن يقال : إن هذا ليس خاصا بالعرب، وإنما هو قدر مشترك بين الناس جميعا حيث لا يستسيغ التساهل في التقاليد الموروثة أو تركها إلا الفئة النيرة الفتية التي تفتحت أذهانها ولم تكن تلك التقاليد راسخة فيها.
ولعل هذا يفسر لنا حكمة الله عز وجل في اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة ولما يتجاوز سن الشباب، ويفسر لنا كون معظم أفراد الرعيل الأول من السابقين إلى الإسلام هم من زمرة الشباب وغير المتقدمين في السن كأبي بكر وعمر وعثمان وسعيد وعلي وأبي عبيدة وجعفر وأبي سلمة وخالد بن سعيد وطلحة والزبير وسعيد وغيرهم رضوان الله عليهم. ولعل بين هذا الذي نقرره في مناسبة الآيتين وبين آيات لقمان ثم بينه وبين تقرير سقوط حق الطاعة على الأبناء إذا ما أرادهم آباؤهم على الشرك مناسبة قوية أيضا. فكثير من أفراد هذا الرعيل من قريش شبابا وفتيات آمنوا رغم آبائهم، بل ومنهم من كان آباؤهم يقودون حملة المعارضة الشديدة ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته. ولقد بقي معظم شيوخ بني هاشم عشيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأقربين على الشرك تمسكا بتقاليد الآباء، وفي مقدمتهم أبو طالب عمه وحاميه، وأبو جعفر وعلي اللذين اتبعا دين ابن عمهم وأسلما في أول الدعوة، مع أنهم كانوا يعلنون حمايتهم له بدافع العصبية.
وغني عن البيان أن التنديد القرآني بالتمسك بتقاليد الآباء التي لا تستند إلى علم وحق ومنطق يحتوي تلقينا عاما مستمر المدى في صدد تقبيح التمسك بالتقاليد المورثة تمسكا أعمى، والاعتذار بها عن إتباع ما هو الأفضل، وفي هذا ما فيه من روعة وجلال.
تعليق على جملة
ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة
وجملة ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة مستمدة من مشاهدات الناس وممارساتهم وأن سامعي القرآن مباشرة يعرفون مداها، فقصدت حكمة التنزيل تنبيههم إلى ما يعرفون ويتمتعون به من فضل الله عليهم، وواجب الاعتراف به والشكر على ذلك. ولا نراها من جهة أخرى تقتضي أن يكون معناها إن الله خلق السماوات والأرض وما فيهما لأجل بني الإنسان خاصة ولكنها قد تنطوي مع ذلك على تقرير اختصاصهم دون غيرهم من الأحياء بالتغلب على ما في السماوات والأرض من قوى ونواميس وتسخيرها والانتفاع بها نتيجة لما اختصهم به من تكامل عقلي. وهكذا يكون هذا المعنى قائما واسع المدى متساوقا مع تطور العقل والفكر والمعارف الإنسانية والنشاط الإنساني في كل ظرف ومكان. ويكون قد انطوى على حث الإنسان والمسلمين بخاصة على الانتفاع بهذه القوى والنواميس بمختلف الأساليب والوسائل والصور. وقد تكرر تقرير ذلك فيما يأتي من السور. وفي بعضها يبدو المعنى أوضح على ما سوف ننبه عليه في مناسباته


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير