وإذا تتلى عليه آياتنا وَلَّى مُستكبراً ؛ أعرض عن تدبرها متكبراً رافعاً نفسه عن الإصغاء إلى القرآن، كأن لم يَسْمَعْهَا ؛ كأنه لم يسمعها، ولا ذُكرت على سمعه. شبَّه حاله بحال من لم يسمعها قط، كأنَّ في أذنيه وقراً ؛ ثَِقَلاً وصمماً، فبشره بعذابٍ أليم ؛ أَخْبِرْه بأن العذاب يُوجعه لا محالة. وذكر البشارة على سبيل التهكم. وهذا في مقابلة مدح المحسنين المقيمين المزكين. فكما قال في المحسنين : أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ، قال في هؤلاء : أولئك لهم عذاب مهين ، بعد أن وصفهم بالضلال والإضلال، في مقابلة المحسنين بالهداية والفلاح. والله تعالى أعلم.
وقال في القوت، في كتاب المحبة : ولم يزل الحجازيون، عندنا بمكة، يسمعون السماع في أفضل أيام السنة، وهي الأيام المعدودات، التي أمر الله عز وجل عبادَه فيها بذكره، أيام التشريق، من وقت عطاء بن أبي رباح، إلى وقتنا هذا، ما أنكره عالم، وكان لعطاء جاريتان تُلَحِّنانِ، فكان إخوانه يستمعون إليهما، ولم يزل أهل المدينة مواطئين لأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا. وأدركنا أبا مروان القاضي، له جوار يسمعن التلحين، قد أعدهن للطوافين. فكان يجمعهن لهم، ويأمرهن بالإنشاد، وكان فاضلاً. وسئل شيخنا أبو الحسن بن سالم، فقيل له : إنك تنكر السماع، وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون ؟ فقال : كيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير مني. هـ.
وقال ابن ليون التجيبي في الإنالة : رُوي عن مصعب بن الزبير، قال حضرت مجلس مالك، فسأله أبو مصعب عن السماع، فقال : ما أدري، إلا أن أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك، ولا يقعدون عنه، ولا ينكره إلا غبي جاهل، أو ناسك عراقي غليظ الطبع.
قال التجيبي : وعن أنس ؛ كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نزل عليه جبريل، فقال : يا رسول الله فقراء أمتك يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وهو نصف يوم، ففرح فقال : أفيكم من ينشدنا ؟ فقال بدوي : نعم، يا رسول الله، فقال : هات، هات، فأنشد البدوي يقول :
فتواجد عليه السلام، وتواجد أصحابه معه، حتى سقط رداؤه عن مَنْكِبَيْهِ، فلما خرجوا، أوى كل واحد إلى مكانه، فقال معاوية : ما أحسن لَعِبَكُمْ يا رسول الله ! فقال : مَهْ، مَهْ، يا معاوية، ليس بكريم من لم يهتز عند ذكر الحبيب، ثم اقتسم رداءه من حضرهم بأربعمائة قطعة. وذكر المقدسي هكذا، والسهروردي في عوارفه، وتكلم الناس في هذا الحديث. قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الهَوى كَبِدِي فَلاَ طَبِيبٌ لَهُ وَلاَ رَاقِي إلاَّ الحَبِيبُ الَّذِي شُغِفْتُ بِهِ فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وتِرْيَا قِي
وقد تخلف الحسن البصري ذات يوم عن أصحابه، وسئل عن تخلفه، فقال : كان في جيراننا سماع. وقال الشبلي : السماع ظاهرة فتنة، وباطنه عبرة. فمن عرف الإشارة حلَّ له سماع العبرة، وإلا فقد استدعى الفتنة. هـ. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى : وإذا تُتلى عليه... إلخ، هذا مثال لمن يَقبل الوعظ ؛ لقسوة قلبه، وحُكم المشيئة يُبعده، فلا يزيده كثرة الوعظ إلا نفورً، فسماعه كلا سماع، ومعالجته عنىً وضياع، كما قال القائل :إذَا أَنَـا عَاتبـتُ المُلـولَ ؛ فإِنَّمَـا أخُـط بأفلك على المـاء أَحرُفَـا
الإشارة : لهو الحديث هو كل ما يشغل عن الله، ويصد عن حضرة الله، كائناً ما كان، سواء كان غناء أو غيره، وإذا كان الغناء يهيج لذكر الله، ويحرك الروح إلى حضرة الله، كان حقاً، وإذا كان يحرك إلى الهوى النفساني كان باطلاً. والحاصل : أن السماع عند الصوفية ركن من أركان الطريقة، بشروط الثلاثة : الزمان والمكان والإخوان. وقد ألف الغزالي تأليفاً في تكفير من أطلق تحريم السماع. وقال في الإحياء، في جملة من احتج به المُحَرِّمُ للسماع : احتج بقوله تعالى : ومن الناس من يشتري لَهْوَ الحديث ، وقد قال ابن مسعود والنخَعي والحسن : إنه الغناء. وأجاب ما حاصله : أنه إنما يحرم إذا كان استبدالاً بالدين، وليس كل غناء بدلاً عن الدين، مُشْتَرَىً به، ومضلاً عن سبيل الله، ولو قرأ القرآن ليضل عن سبيل الله كان حراماً. كما حكي عن بعض المنافقين ؛ أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا بسورة عبس، لما فيها من العتاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهَمَّ عمرُ بقتله. فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم. هـ. وأما إن لم يكن شيء من ذلك، فلا يحرم.
وقال في القوت، في كتاب المحبة : ولم يزل الحجازيون، عندنا بمكة، يسمعون السماع في أفضل أيام السنة، وهي الأيام المعدودات، التي أمر الله عز وجل عبادَه فيها بذكره، أيام التشريق، من وقت عطاء بن أبي رباح، إلى وقتنا هذا، ما أنكره عالم، وكان لعطاء جاريتان تُلَحِّنانِ، فكان إخوانه يستمعون إليهما، ولم يزل أهل المدينة مواطئين لأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا. وأدركنا أبا مروان القاضي، له جوار يسمعن التلحين، قد أعدهن للطوافين. فكان يجمعهن لهم، ويأمرهن بالإنشاد، وكان فاضلاً. وسئل شيخنا أبو الحسن بن سالم، فقيل له : إنك تنكر السماع، وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون ؟ فقال : كيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير مني. هـ.
وقال ابن ليون التجيبي في الإنالة : رُوي عن مصعب بن الزبير، قال حضرت مجلس مالك، فسأله أبو مصعب عن السماع، فقال : ما أدري، إلا أن أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك، ولا يقعدون عنه، ولا ينكره إلا غبي جاهل، أو ناسك عراقي غليظ الطبع.
قال التجيبي : وعن أنس ؛ كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ نزل عليه جبريل، فقال : يا رسول الله فقراء أمتك يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وهو نصف يوم، ففرح فقال : أفيكم من ينشدنا ؟ فقال بدوي : نعم، يا رسول الله، فقال : هات، هات، فأنشد البدوي يقول :
| قَدْ لَسَعَتْ حَيَّةُ الهَوى كَبِدِي | فَلاَ طَبِيبٌ لَهُ وَلاَ رَاقِي |
| إلاَّ الحَبِيبُ الَّذِي شُغِفْتُ بِهِ | فَعِنْدَهُ رُقْيَتِي وتِرْيَا قِي |
وقد تخلف الحسن البصري ذات يوم عن أصحابه، وسئل عن تخلفه، فقال : كان في جيراننا سماع. وقال الشبلي : السماع ظاهرة فتنة، وباطنه عبرة. فمن عرف الإشارة حلَّ له سماع العبرة، وإلا فقد استدعى الفتنة. هـ. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى : وإذا تُتلى عليه... إلخ، هذا مثال لمن يَقبل الوعظ ؛ لقسوة قلبه، وحُكم المشيئة يُبعده، فلا يزيده كثرة الوعظ إلا نفورً، فسماعه كلا سماع، ومعالجته عنىً وضياع، كما قال القائل :
| إذَا أَنَـا عَاتبـتُ المُلـولَ ؛ فإِنَّمَـا | أخُـط بأفلك على المـاء أَحرُفَـا |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي