ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ

وإنْ كانت لفظة (مؤمن) جاءت مفردة، فقد أوضحتْ هذه الآية

صفحة رقم 11842

أن المراد الجمع أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [السجدة: ١٩] أي: العموم؛ لأنه أُخِذ مما كان مفرداً جمعاً، وهذا دليل على أن هذا المفرد في جنسه جمع كثير، كما في قوله تعالى والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ [العصر: ١ - ٢] فالإنسان مفرد يُستثنى منه الجمع إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات... [العصر: ٣] لأن لفظة الإنسان هنا تدل على الجماعة، و (ال) فيها ال الاستغراقية.
فالحق سبحانه ينقلنا من المؤمن إلى العموم أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [السجدة: ١٩] ومن الفاسق إلى وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا [السجدة: ٢٠] فهما جماعتان متقابلتان لكل منهما جزاؤه الذي يناسبه:
أَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ جَنَّاتُ المأوى.. [السجدة: ١٩] والمأوى هو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ويلجأ إليه ليحفظه من كل مكروه، كما قال تعالى في شأن عيسى وأمه مريم عليهما السلام: وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون: ٥٠] يعني: يمكنهما الاستقرار فيها؛ لأن بها مُقوِّمات الحياة (ومعين) يعني: عيْن ماء.
ومن ذلك قوله تعالى في قصة ابن نوح حين قال لأبيه: سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء... [هود: ٤٣] فنبَّهه أبوه وحذره، فقال: لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ... [هود: ٤٣]
ونلحظ في هذه القصة حنان الأبوة من سيدنا نوح حين قال رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي... [هود: ٤٥] لكن ربه عَزَّ وَجَلَّ لا يتركه على هذه القضية، إنما يُصحِّحها له إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ... [هود: ٤٦]
إذن: فالبنوة هنا ليست بنوة نسب، إنما بنوة إيمان وعمل، أَلاَ

صفحة رقم 11843

ترى أن سيدنا رسول الله قال لسلمان الفارسي وهو من غير العرب بالمرة: «سلمان منا آل البيت».
وإنْ كان النسب ينفع من الآباء إلى الأبناء، فهذه ليست خصوصية للأنبياء، إنما لكل الناس، كما قال سبحانه: والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ... [الطور: ٢١]
وإلحاق الأبناء بالآباء في الحقيقة كرامة للآباء أنْ يجدوا أولادهم معهم في الجنة جزاء إيمان الآباء وعملهم الصالح، فإنْ كان الأولاد دون سِنِّ التكليف فطبيعي أنْ يلحقوا بالآباء، بل وتكون منزلتهم أعظم من منزلة آبائهم؛ لأن الأطفال الذين يموتون قبل الرُّشْد ليس لهم أماكن محددة، إنما ينطلقون في الجنة يمرحون فيها كما يشاؤون.
وقد مثَّلنا لذلك بالولد الصغير تأخذه معك في زيارة أحد الأصدقاء، فتجلس أنت في حجرة الجلوس، بينما الولد الصغير يجري في أنحاء البيت، ويدخل أي مكان فيه لا يمنعه أحد، لذلك يسمون الأطفال (دعاميص) الجنة.

صفحة رقم 11844

والبعض هنا يثير مسألة أن الإنسان مرتهن بعمله، ولا ينتفع بعمل غيره، فكلٌّ مُعلَّق من (عرقوبه) كما نقول، فالبعض يسأل: لماذا إذاً نصلى على الميت، والصلاة عليه ليست من عمله؟ فإنْ كانت الصلاة عليه لها فائدة تعود عليه فقد انتفع بغير عمله، وإن لم تكُنْ لها فائدة فهي عبث، وحاشَ لله أنْ يضع تشريعاً عبثاً.
ونقول: هل صليت على كل ميت مؤمناً كان أو كافراً؟ لا إنما نصلي على المؤمن، إذن: صلاتك أنت عليه نتيجة إيمانه، وجزء من عمله، ولولا إيمانه ما صلَّينا عليه.
نعود إلى معنى كلمة (المأوى)، فالجنة مأوى المؤمن، تحفظه من النار وأهوالها نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٩] أي: جزاء عملهم الصالح، والنزُل هو المكان المعَدّ لينزل فيه الضيف الطارئ عليك؛ لذلك يسمون الفندق (نُزُل)، فإذا كانت الفنادق الفاخرة التي نراها الآن ما أعَدَّه البشر للبشر، فما بالك بما أعدَّهُ ربُّ البشر لعباده الصالحين؟

صفحة رقم 11845

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية