ثم يقول الحق سبحانه :
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ( ٢٦ ) .
الحق سبحانه وتعالى تكلم عن الرسالة التي أرسل بها رسوله صلى الله عليه وسلم ليؤكد في الناس عقيدة أعلى، وهي عقيدة الوجود للإله الواحد الذي لا شريك له، ثم بيّن أن لنا مع الله لقاء آخر حين تنتهي هذه الدنيا الفانية، ثم نستقبل حياة خالدة، إما إلى جنة إن شاء الله، وإما إلى نار ونعوذ بالله.
والحق سبحانه حين يعرض آياته في الكون يعرضها لتثبت أنه هو الذي خلق هذه الآيات العجيبة، فلم يتركنا سبحانه ننظر وننصرف، إنما لفتنا ونبّهنا إلى وجوب النظر إلى آياته في الكون، وحين يأتي من يريد أن ينبه عقلك فاعلم أنه لا يريد أن يخدعك، أو أن يأخذك على غرّة، فربك يقول لك : استقبل كلامي هذا بمنتهى التدبّر والتذكّر والتعقّل.
ولو لم يكن واثقا من أنه سيصل بالتدبّر والتعقّل والتذكر إلى الغاية التي يريدها لما نبّه عقلك لآياته، كما ترى عارض السلعة الجيدة الواثق من جودتها يعرضها عليك، ويكشفها لك، ويدعوك إلى فحصها وتأمل ما فيها، فهو لا يفعل ذلك إلا لثقته في بضاعته وأنها ستنال رضاك.
أما صاحب السلعة المغشوشة فيخدعك ويسلك معك أساليب اللفّ والدوران والتغرير، فحين تذهب مثلا لشراء حذاء وجاء ضيقا يقول لك : سيتسع بعدما تمشى فيه، فإن جاء واسعا يقول لك : أحضر لك واحدا أوسع ؟ ليوهمك أنه ضيق، وأساليب هؤلاء مكشوفة لا تخفى على أحد. فالذي يريد أن يغشّ أو يخدع يلف القضايا ليسترها عن عقلك المتدبر المتذكر المتمعن.
أما الحق سبحانه، فكثيرا ما قال في قرآنه : أفلا يسمعون، أفلا يعقلون، أفلا يتدبرون القرآن، لذلك من مصلحة الدعوة أن يتعقلها الناس، وأن يتدبروها، في حين أن بعض أصحاب الديانات الأخرى يقول لك حين تناقشه : أبعد العقل عن هذه المسألة، لماذا ؟ لأنه واثق أنها لو بحثت بالعقل لردها العقل ولم يقبلها والحق سبحانه يريد ألاّ يترك عذرا لأحد في البلاغ، فالدعوة قد بلغت الجميع بلاغا سليما واضحا، تلك آيات الله في الكون.
ثم يأتي الحق سبحانه بآيات معجزة ليثبت صدق الرسول، فيجعلها تخالف نواميس الكون فيما نبغ فيه القوم ليقطع عليهم الحجة، ثم يأتي بآيات الأحكام التي تحمل المنهج بافعل ولا تفعل، ويبين أنّ صلاح حركة الحياة في تطبيق هذا المنهج ويترك للمخالفات أن تظهر بعض العيوب، فإذا ما نظرت إلى عيب أو عورة في المجتمع عرفت أنها نتيجة طبيعية لمخالفة منهج الله، فكأن المخالفة ذاتها من مؤكدات الحكم.
ثم يبين سبحانه أنه أرسل رسلا كثيرين من لدن آدم عليه السلام، لأن الإنسان الذي هو خليفته في الكون تصيبه غفلة حين ينخرط في أسباب الدنيا، وتأخذ عليه كل فكره وكل همه، فينسى ما طلب الله منه، فمن عادة الإنسان ألاّ يتذكر إلا ما ينفعه النفع العاجل.
لذلك نجد كثيرا من الناس ينسى ما للناس عنده، ويتذكر ما له عندهم.
فالحق سبحانه يقول : أنا لم يعد لخلقي عندي حجة، فقد نثرت لهم آيات الكون الملفتة، وهي آيات واضحات لم يدّعها احد لنفسه، ومع كثرة الملحدين والكافرين لم نر أبدا من ادّعى خلق الشمس أو القمر، ولم يقل أحد : إنني أسيّر الريح، أو أنبت الزرع، أو أنزل الماء من السحاب.
والحق سبحانه ينبهنا أيضا : لا تنس أيها الإنسان أنك خليفة لله في الأرض، وإياك أن تظن أنك أصيل فيها، فساعة تظن أنك أصيل في الدنيا يتخلى الله عنك، ويتركك لنفسك فتهلك، كما حدث لقارون حين وسّع الله عليه في الدنيا، فاغترّ بما في يده، وظن أنه من سعيه وعلمه وجهده.
فكانت النتيجة فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ.. ( ٨١ ) [ القصص ] لينبه الناس جميعا أن المال ليس مال صاحبه، إنما هو مستخلف فيه، ولو كان ماله لحافظ عليه، فالحق يردّ الناس بالأحداث إلى طبيعة الفطرة الخلافية، لأن فساد الكون يأتي من اعتبار الإنسان نفسه أصيلا في الكون.
وسبق أن قلنا : إن الإنسان إذا نظر في الكون نظرة فاحصة عادلة لعلم ما يأتي : أن كل شيء لم تتدخل فيه يد الإنسان سليم، ويؤدي مهمته على أكمل وجه، وأن كل فساد في الكون إنما هو من تدخل الإنسان فيه بغير قانون ربه، ولو تدخّل فيه بقانون ربه لصلحت له الأشياء التي تدخّل فيها، كما صلحت له الأشياء التي لم يتدخل فيها.
وقلنا : إنك إذا رأيت عوارا في الكون فاعلم انه نتيجة حق مضيع من حقوق الله، فحين ترى فقيرا يتضوّر جوعا أو عريانا لا يملك ما يستر عورته، فاعلم أن الأغنياء قصّروا في أداء حق الله في الزكاة، لأن الله تعالى شرعها بحساب، فلو أن القادر أخرج الزكاة المفروضة في ماله لما بقي في المجتمع المحيط به محتاج.
ثم يريد منا الحق سبحانه أن نحافظ في نفوسنا على إيمان الفطرة، وعلى الذرة الإيمانية الأولى التي لم تدخلها الشهوة، ولم يخالطها النسيان، هذه الذرة التي شهدت العهد الأول الذي قال الله فيه :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( ١٧٢ ) [ الأعراف ].
أي : قبل أن تأخذكم شهوات الدنيا ونسيانها فتنكروا هذه الشهادة، وتقولون : إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( ١٧٢ ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( ١٧٣ ) [ الأعراف ].
فالذي يحافظ على هذه الذرة، وعلى هذه اللمسة الربانية التي وضعها الله فيه بيده، وعلى العهد الذي أخذه الله عليه يبقى له نور هذه الفطرة، وتظل هذه النورانية متأججة في نفسه، فإن أهملها طمستها الذنوب والغفلة.
لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يضرب لنا المثل فيقول : " تعرض الأمانة أي : التكاليف الاختيارية من الله على القلوب كالحصير عودا عودا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة سوداء حتى تكون على قلبين : أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا(١) ممقوتا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا " (٢).
فالطاعات أو الذنوب تتراكم على القلب كما تصف عيدان الحصير عودا بجوار عود، فيبيض القلب بالطاعات، أو يسودّ بالمعاصي. والإنسان منه مادة ومنه روح، الروح في المادة تعطيها الحياة والحركة والفهم والفكر والتصرف، وهما قبل أن يلتقيا كانا مسبّحين لله تعالى، فكل شيء في الوجود مسبح كل قد علم صلاته وتسبيحه.. ( ٤١ ) [ النور ].
وعلى الإنسان أن يفهم هذه الحقيقة، وأن يحافظ على الطبيعة الإيمانية في ذراته ومكوناته لتظل مشرقة نيّرة بنور الإيمان، فإن غفل عن هذه الطبيعة حدثت الأغيار، وحدث عدم الانسجام بين ذراته في الذات البشرية، فحين تحمل إرادتك الجسم والروح على المعصية يكرهك جسمك، وتكرهك روحك، لأنك خالفت منهج خالقها عز وجل فهي مسبحة عابدة وأنت لاه غافل عاص، لذلك تلعنك روحك وتلعنك أبعاضك.
ومن رحمة الله بالعاصي أن ينام فترتاح أبعاضه، وترتاح روحه من معاصيه، وتأخذ راحتها في عبادة ربها، حيث لا منازع لها، ولا معاند من إرادة صاحبها، لذلك يشعر الإنسان بالراحة عند النوم، ويقوم منه نشيطا لما حدث من انسجام وتعادل بين ذرات ذاته أثناء النوم.
لذلك ورد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تنام عينه ولا ينام قلبه(٣)، لأن أبعاضه منسجمة دائما، في نومه وفي يقظته، فإذا رأيت إنسانا يغلب عليه أنه منهك القوى فاعرف أنه قد أتعب ذراته، وأنها تودّ الخلاص منه بالنوم، وكأنها تقول له نم فلم تعد صالحا للتعايش معي.
إذن : الحق سبحانه ينبهنا دائما من هذه الغفلة بواسطة الرسل، ثم يترك سبحانه للرسالات التي سبقت أدلة تؤيد الرسل الموجودين، وتعينهم على أداء مهمتهم، لذلك يقول لنا : انظروا إلى الرسل الذين سبقوا، وكيف كانت عاقبة المكذبين بهم.
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ.. ( ٢٦ ) [ السجدة ] كما قال سبحانه : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ( ٦ ) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ( ٧ ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ( ٨ ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا(٤) الصَّخْرَ بِالْوَادِ ( ٩ ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ(٥) ( ١٠ ) [ الفجر ].
فهذه الأهرامات التي يفد إليها الناس، والتي تعد مزارا سياحيا هي آية من آيات الله تقوم دليلا على هلاك أصحابها من المكذبين للرسل، فالحق سبحانه لم يترك لأحد من خلقه عذرا بعد أن كشف له الآيات الكونية تشهد بوحدانيته تعالى وألوهيته، والمعجزات التي تثبت صدق الرسول في البلاغ عن ربه، ثم آيات الأحكام التي تحمل أقضية الحياة، والتي لا يمكن لبشر أن يستدرك عليها، والتي تحمل الحلّ الشافي والدواء الناجع لكل داءات المجتمع. وبعد ذلك تركت لهم تكذيب المكذبين أما أعينهم، كما قال سبحانه : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( ١٣٧ ) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( ١٣٨ ) [ الصافات ].
فها هي آثار عاد وثمود وغيرهم ما تزال شاهدة عليهم، بعضها فوق الأرض، ومعظمها مطمور تحت طبقات الثرى، لذلك نجد أن كل الآثار القديمة يجدونها في الحفريات تحت الأرض، ولم لا وقد كانت العاصفة تهب الهبة الواحدة، فتبتلع القافلة بأكملها، فما بالك بهبّات الرياح من أيام عاد حتى الآن. إذن : خذوا عبرة من مصير هؤلاء.
ومعنى أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ.. ( ٢٦ ) [ السجدة ] يهدي : أي : يدلّ ويرشد ويبين ويوضح، والهداية لها عناصر ثلاثة : هاد ومهديّ والشيء المهدى إليه، ومادة :( هدى ) تستعمل في كتاب الله ثلاثة استعمالات :
الأول : أن يذكر الهادي، وهو الله عز وجل، والثاني : أن يذكر المهدي وهم الخلق، والثالث : وهو أن يذكر المهدى إليه، وهي الغاية التي يريدها الله.
وهذا الفعل يأتي مرة متعديا بنفسه، كما في سورة الفاتحة : اهدنا الصراط المستقيم ( ٦ ) [ الفاتحة ] أي : يا الله، فالله هو الهادي، ونحن المهديون، والغاية هي الصراط المستقيم.
ومرة يعدّى الفعل باللام، كما في : وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.. ( ٤٣ ) [ الأعراف ] فلم يقل : هدانا هذا، ومرة يتعدى بإلى كما في : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( ٢١٣ ) [ البقرة ].
فتلحظ أن الهادي واحد وهو الله تعالى، والمهدي هو الخلق، لكن المهدى إليه هو المختلف، أما في هذه الآية فالأمر مختلف، حيث يقول سبحانه : أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ.. ( ٢٦ ) [ السجدة ] فلم تدخل اللام على المهدى إليه، إنما دخلت على المهدى، فلم يقل الحق سبحانه : أولم يهد الله هؤلاء القوم لكذا.
فلماذا ؟
قالوا : لأن بعض الناس يظنون أن الله حين يهدي إلى الطريق يحملك مشقات التكاليف، لذلك نرى بعض الناس ينفرون
٢ أخرجه أحمد في مسنده (٥/٣٨٦، ٤٠٥) ومسلم في صحيحه (١٤٤) كتاب الإيمان من حديث حذيفة بن اليمان. ولفظة: "تعرض الأمانة"..
٣ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربع ركعات فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، فقلت: يا رسول الله، تنام قبل أن توتر؟ قال: "تنام عيني ولا ينام قلبي". أخرجه البخاري في صحيحه (٣٥٦٩) وكذا مسلم في صحيحه (٧٣٨) كتاب صلاة المسافرين..
٤ جابوا الصخر: أي قطعوه ونحتوه وصنعوا منه بيوتهم وأصنامهم. [القاموس القويم ١/١٣٥]..
٥ نقل ابن كثير في تفسيره (٤/٥٠٨) أقوال السلف في تأويل الأوتاد:
"ـ الأوتاد: الجنود الذين يشدون له أمره. قاله ابن عباس.
ـ كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها. فاله مجاهد وسعيد ابن جبير.
ـ كان له ملاعب يلعب تحتها من أوتاد وحبال. قاله قتادة".
وقال الأستاذ إبراهيم عبد الفتاح في كتابه "القاموس القويم ٢/٣١٨": لعل المراد بها الأهرام التي بناها فرعون تشبه الجبال"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي