أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ أي أو لم يبين لهم، والهمزة للإنكار، والفاعل ما دلّ عليه كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ القرون أي أو لم نبين لهم كثرة إهلاكنا من قبلهم. قال الفراء : كم في موضع رفع ب يهد . وقال المبرد : إن الفاعل : الهدى المدلول عليه ب يهد ، أي أو لم يهد لهم الهدى. وقال الزجاج : كم في موضع نصب ب أهلكنا ، قرأ الجمهور أو لم يهد بالتحتية، وقرأ السلمي وقتادة وأبو زيد عن يعقوب بالنون، وهذه القراءة واضحة. قال النحاس : والقراءة بالياء التحتية فيها إشكال ؛ لأنه يقال : الفعل لا يخلو من فاعل فأين الفاعل ل يهد ؟ ويجاب عنه بأن الفاعل هو ما قدّمنا ذكره، والمراد بالقرون : عاد وثمود ونحوهم، وجملة يَمْشُونَ فِي مساكنهم في محل نصب على الحال من ضمير لهم، أي والحال أنهم يمشون في مساكن المهلكين ويشاهدونها، وينظرون ما فيها من العبر، وآثار العذاب. ولا يعتبرون بذلك. وقيل : يعود إلى المهلكين، والمعنى : أهلكناهم حال كونهم ماشين في مساكنهم، والأوّل أولى إِنَّ فِي ذَلِكَ المذكور لآيَاتٍ عظيمات أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ، بها ويتعظون.
وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند، قال السيوطي : صحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ قال :«من لقاء موسى»، قيل : أو لقي موسى ؟ قال : نعم، ألا ترى إلى قوله : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا [ الزخرف : ٤٥ ]. وأخرج الفريابي، وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الماء إِلَى الأرض الجرز قال : الجرز التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً إلا ما يأتيها من السيول. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله : إِلَى الأرض الجرز قال : أرض باليمن. قال القرطبي في تفسيره : والإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صادقين قال : يوم بدر فتح للنبي صلى الله عليه وسلم فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني