ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:في الآيات تقرير رباني عن عادة الزعماء ذوي النعمة والترف في الأمم من الوقوف موقف الجحود والعناد من رسل الله، وحكاية لما يقولونه ؛ حيث كانوا يقولون : إننا الأكثر أموالا وأولادا، وإننا سنكون من أجل ذلك في نجوة من العذاب. وأمر رباني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرد عليهم بأن الله هو الذي يوسع الرزق على من يشاء ويضيقه على من يشاء، وبأن أموالهم وأولادهم التي يزهون ويعتدون بها لن تفيدهم شيئا عند الله ولن تقربهم إليه، وبأن الذين يؤمنون بالله ويعملون الأعمال الصالحة في الحياة الدنيا هم وحدهم الذين ينالون جزاء أعمالهم مضاعفا ويكونون آمنين في غرفات الجنة. أما الذين يقفون من دعوة الله موقف المنكر المعطل المعجز والمكابر العنيد فلن ينجو من عذاب الله وهم محضرون إليه وواقعون فيه.
وأمر آخر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بتوكيد القول الأول بأن ربه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويضيقه على من يشاء وأنه هو الذي يخلف على المنفقين ما أنفقوه وهو خير الرازقين.
ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه ابن أبي حاتم عن أبي رزين قال :( كان رجلان شريكين خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش، إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال : دلني عليه وكان يقرأ الكتب فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إلى ما تدعو ؟ قال : أدعو إلى كذا وكذا، قال : أشهد أنك رسول الله، قال : وما علمك بكذا ؟ قال : إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم فنزلت الآية : وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرين ( ٣٤ ) فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله عز وجل قد أنزل تصديق ما قلت ). وهذه الرواية لم ترد في مساند الصحاح وهي غريبة فليس صحيحا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتبعه في بدء أمره أحد من قريش، ولم يتبعه إلا أراذل الناس ومساكينهم فقط. والثابت اليقيني أن خديجة وأبا بكر وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والزبير بن العوام وفاطمة بنت الخطاب زوجة سعيد رضي الله عنهم كانوا من الذين آمنو بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد بعثته في برهة قصيرة١. وهم من بيوتات قريش ثم تبعهم في السنين الثلاث الأولى عشرات الرجال والنساء من مختلف بيوتات قريش من بني أمية وبني هاشم وبني مخزوم وبني عبد الدار وبني التيم وبني عدي وبني جمح وبني سهم وبني عامر رضي الله عنهم بحيث يكفي هذا الواقع اليقيني لتفي الرواية كسبب لنزول الآية أو تصديقا لما روي من قول الرجل إنه لا يتبع الأنبياء إلا أراذل الناس ومساكينهم.
وإذا كانت الآية تذكر مواقف المترفين من رسل الله فليس ضروريا أن يكون كل ابن بيت ونعمة مندرجا في صفهم بطبيعة الحال. والآية بعد غير منقطعة عن السياق السابق كما أنها والآيات التي بعدها سياق واحد بحيث يصح القول إنها جاءت من جهة معقبة على الآيات السابقة. ومن جهة منددة منذرة لطبقة المترفين المنحرفين الذين يقودهم الترف والانحراف إلى الوقوف من رسل الله والدعوة إليه موقف الجحود، ثم لمثل هذه الطبقة من مترفي مكة الذين كانوا هم الواقفين من النبي مثل هذا الموقف. ومن جهة مسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤذنة أن هذا الموقف من هذه الطبقة ليس بدعا وخاصا به.
تعليق على جملة
نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين( ٣٥ )
ويبدو أن الزعماء كانوا يوازنون في معرض التبجح بينهم وبين النبي وأتباعه في الأموال والبنين. ويجرون في هذا على ما اعتادوه من كون أصحاب الأموال والأولاد يكونون أكثر وأضمن نصرا فاقتضت الحكمة الرد عليهم بالرد القوي الذي جاء في الآيات بتكرار التوكيد بأن سعة الرزق لن تغني عن أصحابها شيئا عند الله. وأنها ليست اختصاصا لهم من الله مستمرا، فالله هو الذي يداول الرزق بين الناس بسطا وضيقا، وفقا للنواميس التي أودعها في خلقه وكونه. وليس لذلك أثر في منازلهم عند الله التي إنما تكون حسب أعمالهم. وفي هذا المستلهم من فحوى الآيات وروحها وما فيه من تلقين مستمر المدى يضاف إلى ما فيها من تلقين بتقبيح الترف الذي يقود أصحابه إلى الوقوف من رسل الله والدعوة إليه موقف الجاحد المعطل والتنديد بهم والتحذير منهم.
أحاديث واردة في سياق الآية
وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه
ولقد أورد البغوي حديثا عن أبي هريرة رواه بطرقه في سياق الآية الأخيرة من هذه الآيات جاء فيه :( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا ). وحديثا ثانيا عن أبي هريرة قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى : أنفق يا ابن آدم أنفق عليك ) وأورد ابن كثير حديثا أخرجه ابن أبي حاتم عن حذيفة قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا إن بعد زمانكم هذا عضوض، يعض الموسر على ما في يده حذر الإنفاق ثم تلا هذه الآية : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ( ٣٩ ) . حيث ينطوي في هذه الأحاديث صور من التطبيق والاستلهام النبوي للتقريرات القرآنية وحث للمسلمين على الإنفاق والإيمان بوعد الله تعالى بالإخلاف على المنفقين.
ولقد مرت آيات كثيرة في الحث على إطعام المساكين، وفي السور الآتية وبخاصة المدنية آيات كثيرة في الحث على الإنفاق في سبيل الله والتصدق على الفقراء والمساكين، ومنها ما جاء ذلك في سياق التشريعات المالية في الدولة الإسلامية. وهناك أحاديث كثيرة أخرى في ذلك ؛ حيث يبدو أن هذا الأمر قد شغل حيزا كبيرا في الدعوة الإسلامية لما له من خطوة بعيدة المدى في حياة المجتمع الإسلامي الذي وضع القرآن والحديث له أقوى الأسس ليكون المجتمع الفاضل المتعاون المتكافل الذي يجد فيه المحتاج والفقير ما يسد فيه عوزه وحاجته ويتيح له الحياة الكريمة. وأكثر الآيات والأحاديث، بل جلها قد نزلت وصدرت في العهد المدني ؛ لأن هذا العهد قد فتح المجال لقيام المجتمع الإسلامي في ظل الدولة الإسلامية تحت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد رأينا أن نؤجل إيراد الأحاديث الأخرى واستيفاء التعليق على هذا الأمر إلى مناسبات الآيات المدنية والاكتفاء هنا بما تقدم.



في الآيات تقرير رباني عن عادة الزعماء ذوي النعمة والترف في الأمم من الوقوف موقف الجحود والعناد من رسل الله، وحكاية لما يقولونه ؛ حيث كانوا يقولون : إننا الأكثر أموالا وأولادا، وإننا سنكون من أجل ذلك في نجوة من العذاب. وأمر رباني للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرد عليهم بأن الله هو الذي يوسع الرزق على من يشاء ويضيقه على من يشاء، وبأن أموالهم وأولادهم التي يزهون ويعتدون بها لن تفيدهم شيئا عند الله ولن تقربهم إليه، وبأن الذين يؤمنون بالله ويعملون الأعمال الصالحة في الحياة الدنيا هم وحدهم الذين ينالون جزاء أعمالهم مضاعفا ويكونون آمنين في غرفات الجنة. أما الذين يقفون من دعوة الله موقف المنكر المعطل المعجز والمكابر العنيد فلن ينجو من عذاب الله وهم محضرون إليه وواقعون فيه.
وأمر آخر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بتوكيد القول الأول بأن ربه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويضيقه على من يشاء وأنه هو الذي يخلف على المنفقين ما أنفقوه وهو خير الرازقين.
ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه ابن أبي حاتم عن أبي رزين قال :( كان رجلان شريكين خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش، إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال : دلني عليه وكان يقرأ الكتب فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إلى ما تدعو ؟ قال : أدعو إلى كذا وكذا، قال : أشهد أنك رسول الله، قال : وما علمك بكذا ؟ قال : إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم فنزلت الآية : وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرين ( ٣٤ ) فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله عز وجل قد أنزل تصديق ما قلت ). وهذه الرواية لم ترد في مساند الصحاح وهي غريبة فليس صحيحا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتبعه في بدء أمره أحد من قريش، ولم يتبعه إلا أراذل الناس ومساكينهم فقط. والثابت اليقيني أن خديجة وأبا بكر وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد والزبير بن العوام وفاطمة بنت الخطاب زوجة سعيد رضي الله عنهم كانوا من الذين آمنو بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد بعثته في برهة قصيرة١. وهم من بيوتات قريش ثم تبعهم في السنين الثلاث الأولى عشرات الرجال والنساء من مختلف بيوتات قريش من بني أمية وبني هاشم وبني مخزوم وبني عبد الدار وبني التيم وبني عدي وبني جمح وبني سهم وبني عامر رضي الله عنهم بحيث يكفي هذا الواقع اليقيني لتفي الرواية كسبب لنزول الآية أو تصديقا لما روي من قول الرجل إنه لا يتبع الأنبياء إلا أراذل الناس ومساكينهم.
وإذا كانت الآية تذكر مواقف المترفين من رسل الله فليس ضروريا أن يكون كل ابن بيت ونعمة مندرجا في صفهم بطبيعة الحال. والآية بعد غير منقطعة عن السياق السابق كما أنها والآيات التي بعدها سياق واحد بحيث يصح القول إنها جاءت من جهة معقبة على الآيات السابقة. ومن جهة منددة منذرة لطبقة المترفين المنحرفين الذين يقودهم الترف والانحراف إلى الوقوف من رسل الله والدعوة إليه موقف الجحود، ثم لمثل هذه الطبقة من مترفي مكة الذين كانوا هم الواقفين من النبي مثل هذا الموقف. ومن جهة مسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤذنة أن هذا الموقف من هذه الطبقة ليس بدعا وخاصا به.
تعليق على جملة
نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين( ٣٥ )
ويبدو أن الزعماء كانوا يوازنون في معرض التبجح بينهم وبين النبي وأتباعه في الأموال والبنين. ويجرون في هذا على ما اعتادوه من كون أصحاب الأموال والأولاد يكونون أكثر وأضمن نصرا فاقتضت الحكمة الرد عليهم بالرد القوي الذي جاء في الآيات بتكرار التوكيد بأن سعة الرزق لن تغني عن أصحابها شيئا عند الله. وأنها ليست اختصاصا لهم من الله مستمرا، فالله هو الذي يداول الرزق بين الناس بسطا وضيقا، وفقا للنواميس التي أودعها في خلقه وكونه. وليس لذلك أثر في منازلهم عند الله التي إنما تكون حسب أعمالهم. وفي هذا المستلهم من فحوى الآيات وروحها وما فيه من تلقين مستمر المدى يضاف إلى ما فيها من تلقين بتقبيح الترف الذي يقود أصحابه إلى الوقوف من رسل الله والدعوة إليه موقف الجاحد المعطل والتنديد بهم والتحذير منهم.
أحاديث واردة في سياق الآية
وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه
ولقد أورد البغوي حديثا عن أبي هريرة رواه بطرقه في سياق الآية الأخيرة من هذه الآيات جاء فيه :( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا ). وحديثا ثانيا عن أبي هريرة قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى : أنفق يا ابن آدم أنفق عليك ) وأورد ابن كثير حديثا أخرجه ابن أبي حاتم عن حذيفة قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا إن بعد زمانكم هذا عضوض، يعض الموسر على ما في يده حذر الإنفاق ثم تلا هذه الآية : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ( ٣٩ ) . حيث ينطوي في هذه الأحاديث صور من التطبيق والاستلهام النبوي للتقريرات القرآنية وحث للمسلمين على الإنفاق والإيمان بوعد الله تعالى بالإخلاف على المنفقين.
ولقد مرت آيات كثيرة في الحث على إطعام المساكين، وفي السور الآتية وبخاصة المدنية آيات كثيرة في الحث على الإنفاق في سبيل الله والتصدق على الفقراء والمساكين، ومنها ما جاء ذلك في سياق التشريعات المالية في الدولة الإسلامية. وهناك أحاديث كثيرة أخرى في ذلك ؛ حيث يبدو أن هذا الأمر قد شغل حيزا كبيرا في الدعوة الإسلامية لما له من خطوة بعيدة المدى في حياة المجتمع الإسلامي الذي وضع القرآن والحديث له أقوى الأسس ليكون المجتمع الفاضل المتعاون المتكافل الذي يجد فيه المحتاج والفقير ما يسد فيه عوزه وحاجته ويتيح له الحياة الكريمة. وأكثر الآيات والأحاديث، بل جلها قد نزلت وصدرت في العهد المدني ؛ لأن هذا العهد قد فتح المجال لقيام المجتمع الإسلامي في ظل الدولة الإسلامية تحت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد رأينا أن نؤجل إيراد الأحاديث الأخرى واستيفاء التعليق على هذا الأمر إلى مناسبات الآيات المدنية والاكتفاء هنا بما تقدم.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير