ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ

الحق: هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والله تعالى يضرب لنا مثلاً حسياً لتوضيح الحق والباطل، فيقول سبحانه:
أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [الرعد: ١٧].
وقد ترجمنا هذه العلاقة بين الحق والباطل ترجمة عصرية فقلنا: لا يصح إلا الصحيح، نعم لأن الباطل وإنْ أخذ صورة الحق مرة بعض الوقت، فهو كالزَّبَد الذي سرعان ما تزيحه الرياح لتكشف وجه الحقيقة الناصع والحق الواضح.
وقوله تعالى لنبيه: إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ يدل على أنه الرسول الخاتم الذي لا رسول ولا نبي بعده يغير شيئاً مما جاء به، فالنبي جاء بالحق الثابت الذي لا يتغير أبداً، ولا يستدرك عليه أحد بعده. لذلك فإن آفة البشرية الآن أنها تحكم العصر وتطور الأوضاع في الحكم على المخالفات الشرعية، فحين نتعرض لمخالفة نسمع مَنْ يقول إنه التطور الذي لا بُدَّ منه، وهؤلاء هم دعاة (عَصْرنة) الدين، يعني تطويع الدين ليلائم العصر.
وهذا يعني أن تطور العصر هو المشرع، في حين أن المفروض أن العصر هو الذي يستقبل تشريع السماء ويبني حركة حياته على هَدْيه ونوره؛ لأن الحركة التي تُبْنى على هَدْي السماء هي الحركة العليا من الرب الأعلى الذي يعلم حقيقة الخير لك ولا يستدرك عليه، أما إنْ شرع لك إنسانٌ مثلك، فحتى هو لو دَلَّك على الخير فهو خير من وجهة نظره وعلى قدر علمه، فلا بُدَّ أنْ يكون فيه نقص وقصور، ولا بُدَّ أنْ يأتي بعده مَنْ ينقضه ويستدرك عليه.
لذلك رأينا حتى غير المسلمين تُلجئهم أقضية الحياة إلى أن يأخذوا بحلول الإسلام للتغلب على مشاكلهم، وهم بالطبع لا يأخذون أحكام الإسلام حباً فيه، إنما لأنهم لم يجدوا حلاً في غيره. ومن هذه القضايا قضية الطلاق التي طالما أثاروا حولها الشكوك وظنوها مأخذاً على الإسلام، والآن في إيطاليا يقررون الطلاق، لا لأن الإسلام شرَّعه، إنما لأن مشاكلهم لا تُحَلُّ إلا به.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير