ولما بيّن أن حالهم موجب ولا بد للإيقاع بهم لما ثبت من أيام الله، وأنكر ذلك عليهم، وكان التقدير: ألم يسمعوا أخبار الأولين المرة وأحوالهم المستمرة من غير تخلف اصلاً في أن من كذب
رسولاً أخذ، فقال عاطفاً عليه استشهاداً على الخبر عن سنته في الأولين بما يذكر من آثارهم: أولم يسيروا أي فيما مضى من الزمان في الأرض أي التي ضربوا في المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق فينظروا أي فيتسبب لهم عن ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوماً من الأيام، فإن العاقل من إذا رأى شيئاً تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عنه ما جرى من مقاله، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله فاستحق السؤال عن حاله كيف كان عاقبة أي آخر أمر الذين ولما كان عواقب الدمار في بعض ما مضى من الزمان، أثبت الجار فقال: من قبلهم أي على أيّ حالة كان أخذهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل فيخافوا أن يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم، وهذا معنى يس أنهم إليهم لا يرجعون [يس: ٣١] سواء كما يأتي أن شاء الله تعالى بيانه. ولما كان السياق لاتصافهم بقوتي الظاهر من الاستكبار والباطن من المكر الضار مكّن قوة الذين خوفهم بمثل مآلهم بوصفهم بالأشدية في جملة حالية فقال: وكانوا أي أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا والحال أنهم كانوا أشد منهم أي من هؤلاء قوة في قوتي الاستكبار والمكر الجارّ بعد العار إلى النار.
ولما كان التقدير: فما أعجز الله أمر أمة منهم، ولا أمر أحد من أمة حين كذبوا رسولهم، وما خاب له ولي ولا ربح ولا عدو، عطف عليه قوله، مؤكداً إشارة إلى تكذيب الكفرة في قطعهم بأن دينهم لا يتغير، وأنهم لا يغلبون أبداً لما لهم من الكثرة والمكنة وما للمسلمين من القلة والضعف: وما كان الله أي الذي له جميع العظمة؛ وأكد الاستغراق في النفي بقوله: ليعجزه أي مريداً لأن يعجزه، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز بطريق الأولى! وأبلغ في التأكيد بقوله: من شيء أي قل أو جل! وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله: في السماوات أي جهة العلو، وأكد بإعادة النافي فقال: ولا في الأرض أي جهة السفل. ولما كان منشأ العجز الجهل، علل بقوله مؤكداً لما ذكر في أول الآية: إنه كان أي أزلاً وأبداً عليماً أي شامل العلم قديراً * أي كامل القدرة، فلا يريد شيئاً إلا كان.
ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء فيقولون: ما له لا يهلكنا، علم أن التقدير: لو عاملكم الله معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم، فعطف عليه قوله إظهاراً للحكم مع العلم: ولن يؤاخذ الله أي بما له من صفات العلو الناس أي من فيه نوس أي حركة واضطراب من المكلفين عامة.
ولما كان السياق هنا لأفعال الجوارح لأن المكر والكبر إنما تكره آثارهما لا الاتصاف بهما، بخلاف الذي هو سياق النحل فإنه ممنوع من الاتصاف وإن لم يظهر به أثر من آثار الجوارح، عبر هنا بالكسب
وفك المصدر ليخص ما وجد منه بالفعل فقال: بما كسبوا أي من جميع أعمالهم سواء كان حراماً أو لا ما ترك على ظهرها أي الأرض من دآبة أي بل كان يهلك الكل، أما المكلفون فلأنه ليس في أعمالهم شيء يقدره سبحانه حق قدره، لما لهم من النقص ولما له سبحانه من العلو والارتقاء والكمال، وأما غيرهم فإنما خلقوا لهم، والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم، وذلك كما فعل في زمان نوح عليه السلام، لم ينج ممن كان على الأرض غير من كان في السفينة ولكن لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش، بل يحلم عنهم فهو يؤخرهم أي في الحياة الدنيا ثم في البرزخ إلى أجل مسمى أي سماه في الأزل لانقضاء أعمارهم ثم لبعثهم من قبورهم، وهو لا يبدل القول لديه لما له من الصفات التي هي أغرب الغريب عندكم لكونكم لا تدركونها حق الإدراك فإذا جاء أجلهم أي الفنائي الإعدامي قبض كل واحد منهم عند أجله، أو الإيجابي الإبقائي بعث كلاًّ منهم فجازاه بعمله من غير وهم ولا عجز.
ولما كانوا ينكرون ما يفمهه ذلك من البعث، أكد فقال: فإن الله أي الذي له صفات الكمال الموجد بتمام القدرة وكمال
الاختيار كان ولم يزل. ولما كان السياق للكسب الذي هو أعم من الظلم قال: بعباده الذين أوجدهم ولا شريك له في إيجاد أحد منهم بجميع ذواتهم واحوالهم بصيراً * أي بالغ البصر والعلم بمن يستحق العذاب منهم بالكسب ومن يستحق الثواب، فقد انطبق آخرها كما ترى على أولها باستجماع صفات الكمال وتمام القدرة على كل من الإيجاد والإعدام للحيوان والجماد مهما أراد بالاختيار، لما شوهد له سبحانه من الآثار، كما وقع الإرشاد إليه بالأمر بالسير وبغيره وبما ختمت به السورة من صفة العلم على وجه أبلغ من ذكره بلفظه، لما مضى في سورة طه من أن إحاطة العلم تستلزم شمول القدرة، ولا تكون القدرة شاملة إلا إذا كانت عن اختيار، فثبت حينئذ استحقاقه تعالى لجميع المحامد، فكانت عنه سبحانه الرسالات الهائلة الجامعة للعزة والحكمة بالملائكة المجردين عن الشهوات وكل حظ إلى من ناسبهم من البشر بما غلب من جيش عقله على عساكر شهواته ونفسه، حتى صار عقلاً مجرداً صافياً، حاكماً على الشهوات والحظوظ قاهراً كافياً.
صفحة رقم 80
(سورة يس)
وتسمى القلب والدافعة والقاضية والمعمة. مقصودها إثبات الرسالة التي هي روح الوجود وقلب جميع الحقائق وبها قوامه وصلاحها للملارسل بها الذي هو خالصة المرسلين الذين هم قلب الموجودات كلها ذوات ومعاني إلى أهل مكة أم القرى وقلب الأرض وهم قريش قلب العرب الذين هم فلب الناس، بصلاحهم صلاحهم كلهم وبفسادهم فسادهم، فلذلك كان من حولهم جميع أهل الأرض، وجل فائدة الرسالة إثبات اللوحدانية التي هي قلب الإعتقاد وخالصه وعموده للعزيز الرحيم ذي الجلال والإكرام، وإنذار يوم الحجمع الذي به - مع ستره عن العيان الذي هو من خواص القلب - صلاح الخلق، فهو قلب الأكوان، وبه الصلاح أو الفساد للإنسان، وعلى ذلك تنطبق معاني أسمائها: يس والقلب والدافعة والقاضية
والمعمة، وأما يس فسيأتي بيانه من جهة إشارته إلى سر كونها قلبا المشير إلى البعث الذي هو من أجل مقاصدها الذي به يكون صلاح القلب الذي به يكون قبول ما ذكر، وأما الباقي فإن من اعتقد الرسالة كفته ودفعت عنه جميع مهمه، وقضت له بكل خير، وأعطته كل مراد، وكل منها له أتم نظر إلى القلب كما لا يخفى، والمعمة: الشاملة بالخير والبركة، قال في القاموس: يقال: عمهم بالعطية وهو معم خير من خيره، فقد لاج أن هذه السورة الشريعة لما كانت قلبا كان كل شيء فيها له نظر عميق إلى القلبية) بسم الله (الذي جل ملكه عن أن يحاط بمقداره) الرحمن (الذي جعل الإنذار بيوم الجمع رحمة عامة) الرحيم (الذي أنار قلوب أوليائه بالاجتهاد ليوم لقائه.
لما كان قلب كل شيء أبطن ما فيه وأنفس، وكان قلب الإنسان غائبا عن الإحساس، وكان مودعا من المعاني الجليلة والإدراكات الحفية والجلية ما يكون للبدن سببا في إصلاحه أو إفساده من إشقائه أن إبقائه، وكان الساعة من عالم الغيب، وفيها
يكون انكشاف الأمور، والوقوف على حقائق المقدور، وبملاحقتها
في إصلاح أسبابها تكون السعادة الأبدية، وبالإعراض عنها وإفساد أسبابها تكون الشقاوة السرمدية، وكانت قد بينت في هذه السورة بيانا لم يكن في غيرها بما وقع من التصريح في قلبها الذي هزو وسطها بنفختها المميتة لكل من على الأرض) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (الباعثة) فإذا هـ من الأجداث إلى ربهم ينسلون (والتصريح بالمعاد الجسماني والاستدلال عليه بالدليل الذي نقل أبا نصر الفارابي - الذي وسم بأنه المعلم الثاني - كان يقول: وددت أن هذا العالم الرباني - يشير إلأى المعلم الأول أرسطو وقف على هذا القياس أن يقال: الله أنشأ العظام وأحياها أول مرة، وكل من أنشأ أو لمرة، وكل من أنشأ شيئا وأحياه أول مرة فهو قادلا على إنشائه وإحيائه ثاني مرة، ينتج أن الله قادر عل إنشاء العظام وإحيائها بعد فنائها، فاختصت بذلكط عن باقي القرآن كانت قلبا له، كما قالا النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه: " لكل شيء قلب وقلب القرآن يس " ورواه أبو يعلى الموصلي - وهذا لفظه والإمام أحمدفي مسنديهما عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال " يس قلب القرآن لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، اقرؤوها على موتاكم " قال شيخنا الحافظ شهاب الدين البوصيري: وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه البزار في مسنده - هذا ما هداني الله إليه، وله الحمد من بيان السر في كونها قلبا، ثم رأيت البرهان النسفي قال في تفسيره الذي هو مختصر التفسير الكبير للإمام الرازي في آخر السورة بعد أن ذكر الحديث: قال العزالي فيه: إن ذلك - أي كونها قلبا - لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر، والحشر مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه، فجعلت قلب القرآن لذلك، واستسحنه الإمام المدقق المحقق فخر الدين الرازي، ويمكن أن يقال: إن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة: الوحدانية والرسالة والحشر، بأقوى البراهين فابتدأها ببيان الرسالة بقوله) إنك لمن المرسلين (ودليله ما قدمه عليها بقوله) والقرآن الحكيم (وما أخبره عنها بقوله) لتنذر قوما (وأنهاها ببيان الوحدانية والحشر بقوله) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء (إشارة إلى التوحيد، وقوله) وإليه ترجعون (إشارة إلى الحشر،
وليس في هذه السورة إلا هذه الأصول الثلاثة ودلائلها، ومن حصل من القرآن أن هذا القدرلا فقد حصل نصيب فلبه، وهو التصديق الذي بالجنان، وأما الذي باللسان والذي بالأركان ففي غير هذه السورة، فلما كان فيها أعمال القلب لاغير سماها قلبا ولهذا ورد عنه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قراءتها عند رأس من دنا منه الموت، لأن في ذلك الوقت يكون اللسان ضعيف القوة والأعضاء الظاهرة ساقطة المنة، لكن القلب يكون قد أقبل على الله، ورجع عن كل ما سواه، فيقرأ عند رأسه ما يزداد به قوة في قلبه ويشتد تصديقه بالأصول الثلاثة - انتهى. وفيه بعض تصرف، وقوله " إن وظيفة اللسان والأركان ليس في هذه السورة منها شيء " ربما بعكر عليه قوله تعالى) وما لي لا أعبد الذي فطرني () وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله () وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (والحديث الذي ذكره رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن معقل بن يسار رضي الله عنه رفعه " اقرؤوا يس على موتاكم " وأ " له ابن القطان وضعفه الدارقطني، وأسند صاحب الفردوس عن أبي الدرداء وأبي ذر وحده رضي الله عنه،
صفحة رقم 85
والإمام أحمد في مسنده عن صفوان بن عمرو قال: كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت يس عند الميت خفف عنه بها. قال ابن حبان: المراد المحتضر. واستمد من هذا التصريح بالحشر كل ما انبث في القرآن من ذكر الآخرة الذي بمراعاته وإتقانه يكون صلاح جميع الأحوال في الدارين، وبإهماله ونسيانه يكون فسادها فيهما - هذا مع ما شاركت به غيرها مما جمعتهمن جميع معانيه المجموعة يفي الفاتحة من الأسماء الحسنى: الله والرب والرحمن والرحيم وملك يوم الدين الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون، والأمر بالعبادة بسلوك الصراط المستقيم، وتفضيل أهل النعيم وأهل الجحيم، وإثبات الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمنا: الوحدانية والحشر والرسالة التي هي قلب الوجود، وبها صلاحه، وهي ممدة لكل روح
يكون به جياة هنيئة، وهي مبدأ الصلاح كما أ، البعث غايته، وأن الخاتم لها إنسان عين الموجودات وقلبها، فأثبت له ذلك على أصرح وجه وآكده،
ومع جمع ما افتتحت به السورة من الحروف المقطعة المنثورة أول السورة عمادا للقرآن وسحذا للأذهان لصنفي المنقوطة والعاطلة ووصفي المجهورة والمهموسة.
صفحة رقم 87نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أبو الحسن، برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّبَاط بن علي بن أبي بكر البقاعي