فَبَشّرْ عِبَادِ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ المراد بالعباد هنا : العموم، فيدخل الموصوفون بالاجتناب، والإنابة إليه دخولاً أوّلياً، والمعنى : يستمعون القول الحقّ من كتاب الله وسنّة رسوله، فيتبعون أحسنه، أي محكمه ويعملون به. قال السدّي : يتبعون أحسن ما يؤمرون به، فيعملون بما فيه. وقيل : هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدّث بالحسن، وينكف عن القبيح، فلا يتحدّث به. وقيل : يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن، وقيل : يستمعون الرخص والعزائم، فيتبعون العزائم، ويتركون الرخص، وقيل : يأخذون بالعفو، ويتركون العقوبة. ثم أثنى سبحانه على هؤلاء المذكورين، فقال : أُوْلَئِكَ الذين هَدَاهُمُ الله وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الألباب أي هم الذين أوصلهم الله إلى الحق، وهم أصحاب العقول الصحيحة، لأنهم الذين انتفعوا بعقولهم، ولم ينتفع من عداهم بعقولهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ الآية. قال : هم الكفار الذين خلقهم الله للنار زالت عنهم الدنيا، وحرمت عليهم الجنة. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ قال : أهليهم من أهل الجنة كانوا أعدّوا لهم لو عملوا بطاعة الله فغيبوهم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال : كان سعيد بن زيد، وأبو ذرّ، وسلمان يتبعون في الجاهلية أحسن القول، والكلام لا إله إلا الله قالوا بها، فأنزل الله على نبيه : يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ الآية. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال : لما نزل : فَبَشّرْ عِبَادِ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، فاستقبل عمر الرسول فردّه، فقال : يا رسول الله خشيت أن يتكل الناس، فلا يعملون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لو يعلم الناس قدر رحمة ربي لاتكلوا، ولو يعلمون قدر سخط ربي، وعقابه لاستصغروا أعمالهم». وهذا الحديث أصله في الصحيح من حديث أبي هريرة.