أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد٣٦ ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام٣٧ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون٣٨ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون٣٩ من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ( الزمر : ٣٦-٤٠ ).
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف أنه يؤتي المؤمنين ما يشاؤون في الجنة ويكفر عنهم سيئاتهم أردف ذلك بيان أنه يكفيهم في الدنيا ما أهمهم، ولا يضيرهم ما يخوفونهم به من غضب الأوثان والأصنام، فإن الأمور كلها بيده تعالى، فمن يضلله فلا هادي له، ومن يهده فلا مضل له، وهو ذو العزة المنتقم الجبار. ثم ذكر أن قول المشركين يخالف فعلهم، فحين تسألهم من خلق السماوات والأرض يقولون الله ؟ وهم مع ذلك يعبدون غيره، ثم سألهم سؤال تعجيز : هل ما تعبدونه من وثن أو صنم يستطيع أن يكشف ضرا أراده الله بأحد، أو يمنع خيرا قدره الله لأحد ؟ إذا فالله حسبي وعليه أتوكل.
وبعد أن أعيت رسوله الحيلة في أمرهم- أمره سبحانه أن يقول لهم : اعملوا كما تشاؤون، وعلى نحو ما تحبون، إني عامل على طريقتي، ويوم الحساب ترون المحق من المبطل، ومن سيحل به العذاب المقيم الذي سيخزيه يوم يقوم الناس لرب العالمين.
الإيضاح :
ثم أقام الدليل على غفلتهم وشديد جهلهم في عبادتهم للأصنام والأوثان مع تفرده تعالى بالخالقية لكل شيء وعدم خلقها شيئا فقال :
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله أي إن هؤلاء المشركين يقرون بوجود الإله العالم الحكيم لوجود الدليل، ووضوح السبيل الذي لا يمكن إنكاره، فإذا هم سئلوا اعترفوا به، وإذا كان كذلك فكيف ساغ لهم عبادة غير الخالق أو تشريك مخلوق مع خالقه في العبادة ؟ وقد كانوا يذكرون بحسن العقول وكمال الفطنة، ولكنهم لما قلدوا أسلافهم، وأحسنوا الظن بهم، هجروا ما يقتضيه العقل، وعملوا بما هو محض الجهل.
ثم أمر سبحانه رسوله أن يبكتهم ويوبخهم بعد هذا الاعتراف فقال :
قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته أي أخبروني عن آلهتكم هذه، هل تقدر على كشف ما أراد الله بي من الضر أو منع ما أراده لي من الخير ؟ وإذا لم تكن لها قدرة على شيء فلا ينبغي التعويل عليها ولا الكد في عبادتها، بل نعبد الإله القادر الذي تكون عبادته كافية جلب السراء ودفع الضراء.
قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا. وقال غيره : قالوا لا تدفع شيئا من قدر الله ولكنها تشفع فنزل قوله :
قل حسبي الله في جميع أموري من جلب نفع أو دفع ضر، فلا أخاف شيئا من أصنامكم التي تخوفونني بها.
عليه يتوكل المتوكلون أي عليه لا على غيره يعتمد العاملون.
وفي الحديث :" من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله عز وجل أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله عز وجل ".
وروي عن ابن عباس أنه قال :" احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، رفعت الأقلام وجفت الصحف، واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ".
ونحو الآية قول هود عليه السلام : إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون٥٤ من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون٥٥ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ( هود : ٥٤-٥٦ ) حين قال له قومه : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ( هود : ٥٤ ).
تفسير المراغي
المراغي