ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪ ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً
[الأنعام: ٦/ ٨١].
٥- قوله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ دليل على خلق الأعمال وإرادة الكائنات من الله الذي ينتقم ممن عاداه أو عادى رسله. ودليل أيضا على أن من يضله الله بتركه في غيه وضلالته، فما له من هاد يهديه إلى الخير أبدا، ومن يهديه الله إلى الحق والصواب، فما له من مضل أبدا.
تزييف طريقة عبدة الأصنام وتهديدهم
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)
الإعراب:
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ.. ما تَدْعُونَ هو المفعول الأول، وجاء المفعول الثاني جملة استفهامية. وفيها العائد على ما وهو لفظ «هن».
كاشِفاتُ.. مُمْسِكاتُ كل منهما خبر المبتدأ، ويقرأ كل منهما بالتنوين وترك التنوين، فمن نوّن نصب «ضرّه» و «رحمته» باسم الفاعل، ومن ترك التنوين جرهما بالإضافة، وهي لا تفيد هنا تعريفا، لأنها في نية الانفصال، لأن اسم الفاعل ليس بمعنى الماضي، والأصل هو التنوين، وإنما يحذف للتخفيف.
البلاغة:
ضُرِّهِ ورَحْمَتِهِ بينهما طباق.

صفحة رقم 12

المفردات اللغوية:
وَلَئِنْ اللام لام القسم. لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية. قُلْ: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ.. أي أرأيتم بعد ما تحققتم أن خالق العالم هو الله وليست آلهتكم، إن أراد الله أن يصيبني بضر هل يكشفنه، أو أرادني بنفع هل يمسكنه عني؟ لا، وتَدْعُونَ تعبدون، ومِنْ دُونِ اللَّهِ الأصنام. والضر: الشدة والبلاء، والرحمة: النعمة والرخاء. وقال: كاشِفاتُ ومُمْسِكاتُ: لما يصفونها به من الأنوثة، تنبيها على ضعفها.
حَسْبِيَ اللَّهُ كافيا في إصابة الخير ودفع الضر، وتقرر بهذا أن الله هو القادر الذي لا مانع لما يريده من خير أو شر عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ يثق الواثقون لعلمهم بأن الكل منه تعالى.
عَلى مَكانَتِكُمْ على حالكم، وهو اسم للمكان أستعير للحال. إِنِّي عامِلٌ على مكانتي أي على حالتي، فحذف للاختصار والمبالغة في الوعيد. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ فإن خزي أعدائه دليل غلبته، وقد أخزاهم الله يوم بدر وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ عذاب دائم، وهو عذاب النار.
سبب النزول: نزول الآية (٣٨) :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:
روي عن مقاتل أن النبي ص سألهم، فسكتوا، فنزل ذلك.
وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئا قدّره الله، ولكنها تشفع، فنزلت.
المناسبة:
بعد أن أوضح الله تعالى وعيد المشركين ووعد الموحدين، عاد إلى إقامة الدليل على تزييف طريقة عبدة الأصنام، معتمدا على أصلين:
الأول- أن هؤلاء المشركين مقرّون بوجود الإله الخالق القادر العالم.
والثاني- أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر.

صفحة رقم 13

التفسير والبيان:
أقام الله تعالى الدليل على وحدانيته بإقرار المشركين أنفسهم بذلك، فقال:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، لَيَقُولُنَّ: اللَّهُ أي إذا سألت المشركين عن خالق السموات والأرض، اعترفوا بأنه هو الله سبحانه، مع عبادتهم للأوثان. وإذا اعترفوا، فكيف قبلت عقولهم عبادة غير الخالق، وتشريك مخلوق مع خالقه في العبادة؟ مع أن هذه المعبودات لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا، كما قال موبخا لهم:
قُلْ: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ، هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ، أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ، هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ؟ أي إذا أقررتم بأن الله تعالى خلق الأشياء كلها، فأخبروني عن آلهتكم هذه، هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الشدة والضرر، أو هل تستطيع أن تمنع عني ما أراده الله لي من الخير والنعمة والرخاء؟ وإذا كانت في الواقع لا تملك شيئا ولا قدرة لها على شيء، فكيف تجوز عبادتها؟! وأنث قوله: هُنَّ كاشِفاتُ وهُنَّ مُمْسِكاتُ وهي الأصنام للتنبيه على كمال ضعفها وتحقيرها وتعجيزها، فإن الأنوثة مظنة الضعف، ولأنهم كانوا يصفونها بالتأنيث ويسمونها: اللات والعزى ومناة.
قُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ، عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ قل أيها النبي: الله كافيني أو كافيّ في جميع أموري من جلب النفع ودفع الضر، فلا أخاف تلك الأصنام التي تخوفونني بها، وإنما أخاف الله الذي عليه لا على غيره يتوكل المؤمنون، ويعتمد المعتمدون.
وذلك كما قال هود عليه السلام: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ، قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً، ثُمَّ

صفحة رقم 14

لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ، ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[هود ١١/ ٥٤- ٥٦].
أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي ص فقال: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفّت الصحف.
واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا»
.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضا، رفع الحديث إلى رسول الله ص قال: «من أحبّ أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحبّ أن يكون أغنى الناس، فليكن بما في يد الله عز وجل أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله عز وجل».
ثم هدد الله المشركين وأوعدهم بقوله:
قُلْ: يا قَوْمِ، اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ، إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ أي قل أيها النبي: يا قومي، اعملوا ما شئتم، اعملوا على حالتكم وطريقتكم التي أنتم عليها من عداوة رسالتي، واعتداد بالقوة والشدة، واجتهدوا في أنواع المكر، فإني على حالتي ومنهجي وطريقتي التي أنا عليها في الدعوة إلى توحيد الله ونشر دينه بين الناس، فسوف تعلمون وبال ذلك، ومن سيأتيه عذاب يهينه ويذله في الدنيا بعد افتخاره واستكباره، فيظهر

صفحة رقم 15

عندئذ أنه المبطل وخصمه المحقّ، ويحل عليه عذاب دائم مستمر لا محيد له عنه يوم القيامة، وهو عذاب النار.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات تدرجت في الإثبات من وجوب الاعتقاد بوحدانية الله إلى ضرورة عبادته وحده، إلى معرفة علمه وقدرته وتمكنه من إنفاذ تهديده ووعيده في الوقت المناسب.
ولكن ما أغبى المشركين وأجهلهم وأحمقهم وأسخفهم!! إنهم مع عبادتهم الأوثان مقرّون بأن الخالق هو الله، وإذا كان الله هو الخالق القادر العالم الحكيم الرحيم، فكيف يعبدون سواه؟ وكيف يخوفون رسول الله ص بآلهتهم الخرقاء العاجزة التي هي مخلوقة لله تعالى، وهو رسول من عند الله الذي خلقها وخلق السموات والأرض؟! وبعد اعترافهم بهذا، ألا يدركون أن هذه الأصنام جمادات صماء، لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر؟ فإن أراد الله عبده بشدة وبلاء، فلا تستطيع هذه الأصنام دفعه ورفعه وإزالته، وإذا أراد الله إمداد عبده بنعمة ورخاء، فلا تتمكن من حجب رحمته وإمساكها ومنعها، وترك الجواب لدلالة الكلام عليه، يعني فسيقولون: لا تكشف ولا تمسك.
وأما المؤمن أو العاقل، فإنه لا يلتفت إلى تخويف المشركين بالأصنام الصماء كما في الآية السابقة: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ، ويعلن أنه معتمد على الله، متوكل عليه، ويجب أن يعتمد عليه المعتمدون.
كذلك يصر المؤمن بالبقاء على منهجه وطريقته في عبادة الله وحده ويهزأ بكل من ضل عن هذا المنهج، وسوف تنجلي الحقائق، وتتبين ما تتمخض عنه

صفحة رقم 16

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية