له مقاليدُ السماواتِ والأرضِ أي : مفاتح خزائنها، واحدها " مِقْليد "، أو : إقليد، أو : لا واحد لها، وأصلها فارسية، والمراد : أنه مالكها وحافظها، وهو من باب الكناية ؛ لأن حافظ الخزائن ومدبّر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم : فلان ألقيتْ إليه مقاليد الملك، أي : مفاتح التصرف قد سُلّمت إليه، وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد ؛ لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها إلا مَن بيده مفاتحها.
وعن عثمان : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاليد، فقال صلى الله عليه وسلم :" هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يُحيي ويُميت وهو على كل شيء قدير١ ". ومعناه : أن لله هذه الكلمات، يُوحّد بها ويُمجّد، وهي مفاتحُ خير السماوات والأرض، ومَن تكلّم بها أدرك ذلك في الدنيا أو في الآخرة، ومرجعها إلى التحقق بالعبودية في الظاهر، ومعرفة الذات في الباطن، وهما السبب في كل خير، وبهما يدرك العبد التصرُّف في الوجود بأسره، فتأمله.
والذين كفروا بآيات الله أي : كفروا به بعد كونه خالق كل شيء، ومتصرفاً في ملكه كيف يشاء، بيده مقاليد العالم العلوي والسفلي، فكفروا بعد هذا بآياته التكوينية، المنصوبة في الآفاق وفي الأنفس، والتنزيلية، التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بذلك، أولئك هم الخاسرون خسراناً لا خسرَ وراءه، وقيل : هو متصل بقوله : ويُنجي الله الذين اتقوا ، وما بينهما اعتراض.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي